ملهمةالشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسك،ليلي بريك المرأة التي غلفتها الاسرار واحاطها الغموض.

ليلي بريك: المرأة التي أسرت شاعر الثورة وأحاطت بها الأسرار

جودت هوشيار

لا يزال اسم ليليا بريك (1891–1978) —ملهمة الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي، وواحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الأوساط الثقافية السوفيتية— يثير الفضول ويطرح تساؤلات عديدة حتى يومنا هذا. فقد أصبح اسمها مرادفاً لـ “الحب الحر”، والأناقة، والانجذاب نحو المواهب الاستثنائية. كما يرتبط اسمها بشخصيات بارزة في حركة الطليعة الروسية (الأفانت غارد)، بدءاً من شقيقتها الكاتبة إلسا تريوليه، وصولاً إلى المصمم والمصور ألكسندر رودتشينكو، الذي أصبحت صوره لها أعمالاً أيقونية في تاريخ التصوير الفوتوغرافي الطليعي.

تتأرجح سيرة ليليا بريك بين الحقائق الموثقة، والروايات المتضاربة، والأساطير التي نسجتها الذاكرة الثقافية حول امرأة يستحيل اختزالها في صورة واحدة. فهي تحتل مكانة فريدة في تاريخ الشعر الروسي الحديث، بينما تظهر في الوقت ذاته ضمن حكايات الأوساط الأدبية؛ وهي حكايات طبعتها مشاعر الشغف والغيرة والسلطة. علاوة على ذلك، كانت بريك بمثابة حلقة وصل حيوية بين تطلعات حركة الطليعة الروسية وجاذبية الحياة الأوروبية. وبينما أحبها بعض معاصريها بفيضٍ من العاطفة الجياشة، نظر إليها آخرون بعين الريبة والعداء؛ وظلت حياتها الخاصة مادة خصبة للتأويل والنقاش.

في عام 1915، التقت بريك بالشاعر المستقبلي فلاديمير ماياكوفسكي، لتنشأ بينهما علاقة استثنائية استمرت حتى انتحاره عام 1930. ولم يقتصر أثر هذه العلاقة على الجانب الشخصي فحسب، بل تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الشعر الروسي خلال القرن العشرين. ومن المفارقات أن ماياكوفسكي وقع في حبها بينما كانت لا تزال متزوجة من أوسيب بريك، الناقد الأدبي وأحد أبرز منظري “الشكلانية الروسية”. لم يكن أوسيب مجرد زوج تقبّل ترتيباً عاطفياً غير تقليدي، بل كان أيضاً من أشد الداعمين للشاعر ورفيقاً مقرباً له في دروب الثقافة والأدب. وهكذا، اتخذت العلاقة بين الثلاثة طابعاً فريداً، تداخلت فيه مشاعر الحب والصداقة والتعاون الأدبي بشكل وثيق لا انفصام فيه.

ولم يكن ماياكوفسكي وحده من سحرته ليليا بريك. ارتبط اسمها لاحقاً بقائد “الجيش الأحمر” فيتالي بريماكوف، واتسعت دائرة معارفها لتشمل شخصيات بارزة من عوالم السينما والشعر والموسيقى والباليه؛ بدءاً من المخرجين ليف كوليشوف وسيرجي باراجانوف، وصولاً إلى الشاعر أندريه فوزنيسنسكي، والمؤلف الموسيقي روديون شيدرين، وراقصة الباليه مايا بليستسكايا. فما الذي جذب هؤلاء المبدعين إليها؟ هل كان ذلك بفضل سحر شخصيتها، أم قدرتها على اكتشاف المواهب ورعايتها، أم ربما لمكانتها المحورية في قلب الحياة الثقافية السوفيتية؟

وفقاً للعديد من معاصريها، لم تكن بريك تتماشى مع معايير الجمال التقليدية، لكنها تمتعت بحضور لافت، وذكاء اجتماعي، وموهبة فطرية في جذب الآخرين إليها. لقد نسجت علاقات معقدة -تداخلت في بعض الأحيان- مع رجال ونساء من دائرتها، وذلك في مجتمع غالباً ما تصادمت فيه الأعراف الرسمية مع الواقع الخاص للأفراد. ومع ذلك، فإن اختزال صورتها في امرأة “تخطف” الرجال من عائلاتهم يعني إغفال حقيقة مكانتها؛ فقد عملت أيضاً محررةً وحارسةً لإرث أدبي، إذ لعبت -بعد وفاة ماياكوفسكي- دوراً حاسماً في الحفاظ على أعماله وترسيخ تراثه الأدبي. وفي عام 1935، وجهت رسالة إلى ستالين للدفاع عن سمعة الشاعر وإرثه، وهي مبادرة ساهمت في ضمان اعتراف رسمي بقيمته الأدبية.

غير أن الجانب الأكثر غموضاً في سيرتها يتعلق بصلاتها بالجهاز الأمني السوفيتي. فقد أدت علاقات أوسيب بريك ببعض أفراد الأجهزة الأمنية، إلى جانب الصلات التي حافظت عليها ليليا بنفسها مع شخصيات نافذة في تلك الأوساط، إلى ظهور تكهنات عديدة حول الدور الذي ربما لعبته داخل ذلك العالم السري والمنغلق. علاوة على ذلك، فإن نجاتها من المصائر المأساوية التي لاقت الكثيرين ممن كانوا مقربين منها، أثارت تساؤلات لا تزال حتى يومنا هذا محل نقاش بين الباحثين. ومع ذلك، من الضروري التمييز بين الحقائق الموثقة والشائعات التي تراكمت حولها؛ فلا يمكن اعتبار كل اتهام دليلاً قاطعاً على تورطها في أنشطة غير مشروعة. كيف تمكنت هذه المرأة من الحفاظ على مكانتها في عالم تداخلت فيه السلطة والسياسة والفن تداخلاً وثيقاً، وظلت قريبة من شخصيات إبداعية بارزة رغم الاضطرابات العنيفة التي هزت الاتحاد السوفيتي؟ وما هي الطبيعة الحقيقية لعلاقتها بماياكوفسكي، الذي خصّها بمكانة متميزة في حياته وفي شعره على حد سواء؟ وأين تنتهي الحقيقة التاريخية وتبدأ الأسطورة في قصة ليليا بريك؟
إن سيرتها ليست مجرد حكاية امرأة أحبت وأُحبت، بل نافذة تطل على عصر مضطرب تداخلت فيه الثورة الفنية مع التحولات السياسية، وتجاور فيه الإبداع العظيم مع الخوف والوشاية والاضطهاد. ولعل هذا التداخل المعقد، أكثر من حياتها العاطفية وحدها، هو ما جعل اسمها عصيًا على النسيان

#جودت هوشار#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم