ألبير سماما شيكلي صور من منطاد عام 1908، وتحت الماء عام 1909 من تونس
في عام 1908، ارتفع رجل في منطاد فوق شمال تونس وصوّر الأرض من الجو. وفي 1909، نزل تحت سطح البحر وصور ما تحته وهي على الأرجح أولى الصور التي التقطت تحت الماء في التاريخ. وهو نفسه من أدخل الدراجة الهوائية إلى تونس، والتلغراف اللاسلكي، وأول جهاز أشعة سينية إلى مستشفى تونسي. ولم يكن موضوعه تونس. كان موضوعه ما لا يُرى.
By PhotoMENA·22 أغسطس 202682

ولد ألبيرسماما في تونس في الرابع والعشرين من يناير 1872
درس في فرنسا، وعاد إلى تونس عام 1896.
وعاد ومعه شيء أهم من الشهادة شغف بكل تقنية جديدة تظهر في العالم.
واتخذ لنفسه لقبا شيكلي نسبة إلى جزيرة شكلي في بحيرة تونس.
قائمة الأول في تونس
اقرأ هذه القائمة دفعة واحدة، وتذكر أنها لرجل واحد:
أول من أدخل الدراجة الهوائية إلى تونس.
وأول من أدخل التلغراف اللاسلكي إليها.
وأول من أدخل جهاز الأشعة السينية إلى مستشفى تونسي.
واسمه من أوائل الأعمدة في تاريخ السينما العالمية لا التونسية وحدها.
والقاسم المشترك بين هذه كلها ليس التقنية.
الدراجة تنقل الجسد إلى حيث لم يكن. واللاسلكي ينقل الصوت إلى حيث لا يصل. والأشعة السينية تري ما بداخل الجسد.
وكلها أدوات لتجاوز حد من حدود الإدراك.
وهذا بالضبط ما فعله بالكاميرا.
1908: من فوق
في عام 1908، صور مناظر جوية من منطاد، بين حمام الأنف وقرمبالية.
فكر في التاريخ بعد خمس سنوات فقط من أول رحلة طيران للأخوين رايت، وقبل أن تصير الطائرة وسيلة عملية بعقود.
رجل في تونس يرتفع في منطاد ليصور الأرض من فوقها.
وفي العام نفسه، صور زلزال ميسينا الذي ضرب جنوب إيطاليا أي أنه لم يكن يوثق بلده فحسب، بل كان يسافر إلى الحدث حيث وقع.
1909: من تحت
وفي العام التالي، التقط ما يرجح أنه أول صورة تحت الماء في التاريخ.
في السنوات التي كان فيها التصوير في أغلب المنطقة العربية حكرا على استوديوهات البورتريه، كان رجل من تونس ينزل تحت سطح البحر بكاميرا.
وفي 1910، صور صيد التونة في تونس برعاية الأمير ألبير الأول أمير موناكو وهو نفسه من أبرز رعاة علوم البحار في زمنه.
الكاميرا في خدمة ما لا يرى
اجمع الأمر كله:
من فوق الأرض بالمنطاد.
ومن تحت الماء.
ومن داخل الجسد بالأشعة.
ثلاث مناطق لم تكن العين البشرية تصلها، ودخلها رجل واحد بالتقنية نفسها تقريبا في سنوات متقاربة.
وهذا ما يجعل شيكلي مختلفا عن كل من كتبنا عنهم في هذه السلسلة.
فان ليو وهاشم المدني وسيدو كيتا ورشيد مهدي صوّروا الناس.
وخليل رعد وكاسيان سيفاس صوروا الأماكن والآثار.
وشيكلي صوّر الحدّ نفسه الخط الفاصل بين ما يرى وما لا يرى، وأمضى حياته في دفعه.
من الصورة إلى الفيلم
في العشرينيات، عمل مصورا وموثقا لمجلات السفر والأدلة السياحية.
وفي 1922 عمل مصورا في فيلم حكايات ألف ليلة وليلة.
وأنتج أعمالا سينمائية خاصة به، ظهرت فيها ابنته هايدي التمزالي، التي صارت هي نفسها اسما في تاريخ السينما التونسية.
واستمر نشاطه من 1897 حتى وفاته عام 1934 سبعة وثلاثون عاما من العمل المتصل.
ومات في تونس في الثامن والعشرين من ديسمبر 1934 عن اثنين وستين عاما، ودفن في مقبرة بورجل.
مهنة التصوير في العالم الإسلامي أسستها وحملتها، إلى حد لافت، أقليات ووافدون.
والأسباب عملية لا غامضة الأقلية والوافد أقل ارتباطا بالأعراف التي قيدت التصوير، وأكثر اتصالا بشبكات خارجية تجلب المعدات، وأحوج إلى حرفة قابلة للحمل والانتقال إن لزم الرحيل.
وهذا جزء أصيل من تاريخنا البصري، وطمسه لا يجعله أقل صدقا.
وماذا بعد شيكلي؟
خلال الحماية الفرنسية (1881–1956)، تطور التصوير في تونس تحت تأثير استعماري قوي، وأنتجت الصورة الأوروبية عن البلد صورا استشراقية تبرز التخلّف والاختلاف، وظهر ذلك بوضوح في صور الإعلانات الاستعمارية التي قدمت التونسيين منفصلين عن الحداثة.
وبعد الاستقلال عام 1956 اتسع المجال.
ومن الجيل الحي اليوم:
جاك بيريز، المولود لأب تونسي وأم ألمانية، بدأ التصوير بين الحادية عشرة والثانية عشرة، وأمضى خمسة عشر عاما هاويا إلى جانب التدريس قبل أن يكلفه ناشر تونسي بكتاب مصوّر أطلق مساره. ويصفه القيم حميد الدين بوعلي بأنه «مصور إنساني على خطى دوانو وكارتييه بريسون وإليوت إرويت. ولم يرد يوما أن يصور غير بلده.
وزياد بن رمضان، مواليد 1981، تحول إلى التصوير الوثائقي عام 2011، وأصدر كتابه الأول غرب الحياة عام 2018، ونال جائزة وورلد برس فوتوعام 2024، وانضم إلى وكالة ماغنوم مرشحا عام 2019 ثم عضوا كاملا عام 2025.
تونسي في ماغنوم. وهذه ليست جملة تقال كل عام عن هذه المنطقة.
ما يبقى
رجل عاد من فرنسا عام 1896 ومعه فضول لا يهدأ.
فأدخل إلى بلده الدراجة، واللاسلكي، والأشعة.
ثم رفع كاميرا فوق منطاد، وأنزل أخرى تحت الماء، قبل أن يفعل ذلك أحد تقريبا في أي مكان.
ولم يكن يحاول أن يوثق تونس.
كان يحاول أن يرى ما لا يُرى فصادف أن تونس كانت المكان الذي وقف فيه وهو يحاول.


