صباح اليوم على الصفحة الاخيرة لصحيفة الحقيقة .الفنانة آيات هادي عباس تحويل المرئي إلى شعوري رحيم يوسف / بغداد من النظرة الأولى إلى أعمال الفنانة آيات هادي عباس، يمكننا تلمّس تأثيرات النحت في تجربتها، إذ نشأت في بيئة تتعاطى مع النحت بالدرجة الأساس. وبإمكاننا تأشير ذلك من خلال مؤثرين رئيسيين في عملها؛ أولهما جاء عبر والدها، النحات الكبير هادي عباس، وثانيهما من خلال دراستها للنحت في كلية الفنون الجميلة ببغداد. وقد انعكس هذان المؤثران بشكل واضح على تجربتها في عالم الرسم، الذي تستثمر فيه الكثير من سمات النحت، علمًا أنني لم أطّلع شخصيًا على أعمالها النحتية.آيات التي تعمد إلى تحويل المشاهد الطبيعية من صورتها المرئية إلى حالة شعورية عبر التجريد، فهي لا ترسم الطبيعة باعتبارها أماكن محددة يمكننا التعرف إليها، وإنما تعيد تجسيدها من خلال الألوان والخطوط والكتل والإيقاعات. وهي تتحرك بخفة بين المنظر الطبيعي والتجريد، من دون أن تنتمي كليًا إلى أحدهما. وهي بذلك لا تنتقل من التشخيص إلى التجريد، بل تنتقل من رؤية الطبيعة إلى الإحساس بها.في أعمالها ثمة آثار تجسيدية واضحة للماء، والأرض، والسماء، والنبات، والمسارات، لكنها تفقد هذه العناصر صفاتها المعروفة، لتتحول إلى شرائط لونية متموجة ودوائر. لتبدو الطبيعة في أعمالها وكأنها لا تُرى من الخارج، بل تُستعاد عبر الذاكرة والانفعال.في سطوحها يظهر الخط المتموج باعتباره أحد أهم المفردات، وهو لا يؤدي وظيفته المعروفة في تحديد الأشياء، بل باعتباره صانعًا للحركة داخل السطح التصويري. لتبدو الأرض والماء والسماء وكأنها تتداخل من خلاله في مستويات أفقية متعاقبة، وتصبح اللوحة أشبه بسطح تتنفس داخله الطبيعة. وبذلك تتحول هذه الخطوط إلى إيقاع بصري، لا إلى محدد للأشكال.كما تتكرر الدوائر والكرات بوضوح في عدد من الأعمال، لتخلق نوعًا من الإثارة؛ فتبدو أحيانًا كعناصر سماوية، أو ككائنات عائمة، أو خلايا، أو بذور. وينقلها هذا التنوع في دلالاتها من كونها أشكالًا هندسية إلى علامات واضحة على الحياة والتكوين والتكاثر. كما أن تجسيد الدوائر بمقاسات مختلفة يجعلها تشابه نظامًا كونيًا مصغرًا، يتجاور فيه الكبير والصغير، والقريب والبعيد، في فضاء واحد.والمرحلة الأكثر إثارة في التجربة هي التي تظهر فيها الدوائر والكتل العضوية فوق الطبقات المتموجة، لأنها تفتح إمكانية أكبر للخروج من المنظر الطبيعي التقليدي نحو عالم تشكيلي خاص بها، بدلًا من أن يبقى السطح معلقًا بين التجريد والمنظر الطبيعي.كما أنها تستخدم اللون باعتباره ذاكرة، وذلك عبر استخدامه بنعومة وشفافية وضبابية، لتمنح السطوح حساسية حالمة، وتجعل اللون أقرب إلى الذاكرة منه إلى الوصف. وهي تميل إلى استخدام الأخضر والفيروزي والأزرق والوردي والأبيض بكثرة، لكنها لا تستخدمها بحدة عالية. غير أنها تعمد أحيانًا إلى كسر سكون السطح وخلق توتر واضح عليه عبر استخدام الوردي أو الأحمر القوي، فتحول اللون من كونه عنصرًا جماليًا إلى حدث بصري.كما أن بعض الأعمال تبدو أقرب إلى مشاهد طبيعية يمكن قراءتها مباشرة: طريق يتجه نحو الأفق، أشجار، ماء، نباتات. لكن الأعمال الأخرى تبتعد تدريجيًا عن هذه المرجعية، حتى يصبح المشهد عبارة عن طبقات لونية ودوائر وخطوط.والطبيعة لا تختفي عندما تختفي الأشجار أو يختفي الماء، وإنما تتحول إلى إيقاع، إلى موجة، إلى دائرة، إلى طبقات لونية. وثمة مفردة تبدو مستترة، وهي الماء؛ وهو هنا ليس موضوعًا مباشرًا، وإنما بنية تشكيلية. فالخطوط المتموجة، والأزرق والفيروزي، والسيولة بين الطبقات، وحتى الأشكال الدائرية العائمة، كلها تمنح الأعمال إحساسًا بأن العالم في حالة تشكل مستمر.الدائرة قد تبدو ككوكب، لكنها يمكن أن تكون أيضًا بذرة أو بويضة أو خلية؛ والخطوط المتموجة قد تكون ماءً أو تضاريس أو موجات داخلية. أي أن الفنانة تضعنا أمام فضاء يتأرجح بين الكوني والعضوي؛ بين العالم الكبير والعالم المجهري، حيث يتشابهان ويتداخلان.وأخيرًا، يمكننا القول إن التجربة قابلة للقراءة باعتبارها ذات بُعد أنثوي، ولكن ليس بمعنى الموضوع النسوي المباشر، وإنما بمعنى منطق التكوين والنمو والاحتواء والولادة. إنها طبيعة تبدو وكأنها تتكون من الداخل؛ فالدائرة في أعمالها قد تبدو ككوكب، لكنها يمكن أن تكون أيضًا بذرة أو بويضة أو خلية، والخطوط المتموجة قد تكون ماءً أو تضاريس أو موجات داخلية. أي أن الفنانة تضعنا أمام فضاء يتأرجح بين الكوني والعضوي، حيث يتحول المرئي من صورة للطبيعة إلى إحساس بها، ومن شكل خارجي إلى تجربة داخلية.
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

