
بين عدسة الواقع ورحلة الوعي خارج الجسد
التصوير الضوئي والسينمائي والرقمي في مواجهة لغز الإسقاط النجمي… حين تبحث الصورة عن عوالم لا تراها العين
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: هل تستطيع الصورة أن ترى ما وراء الجسد؟
منذ أن عرف الإنسان الصورة، لم يتوقف عن محاولة اكتشاف ما وراء المرئي؛ فالكاميرا لم تكن مجرد أداة لتسجيل المشاهد والأحداث، بل تحولت إلى وسيلة لاستكشاف العالم، وتوثيق الذاكرة، وتحليل الواقع، والتعبير عن الأحلام والمخاوف والتصورات التي تتجاوز حدود الإدراك الحسي.
وبينما استطاع التصوير الضوئي أن يحوّل الضوء إلى أثر ثابت، والتصوير السينمائي أن يمنح الصورة حركة وزمناً، والتصوير الرقمي أن يفتح أبواباً واسعة لمعالجة المشاهد وإعادة بنائها حاسوبياً، ظهرت تساؤلات فلسفية وروحية ونفسية حول طبيعة الوعي الإنساني، وحدود الجسد، وإمكانية اختبار الإنسان لتجارب يشعر خلالها بأنه يغادر جسده المادي.
ومن هنا يبرز مفهوم الإسقاط النجمي أو الإسقاط الأثيري (Astral Projection)، بوصفه أحد أكثر الموضوعات إثارة للجدل بين الفلسفات الروحية والتصورات الميتافيزيقية والتفسيرات النفسية والعلمية.
فهل يمكن للصورة الفوتوغرافية أو السينمائية أن تجسّد تجربة الخروج من الجسد؟ وهل تستطيع التقنيات الرقمية محاكاة عوالم الوعي المتخيلة؟ وأين تنتهي حدود الفن البصري لتبدأ حدود العلم والاعتقاد؟
إنها رحلة تجمع بين الفوتوغرافيا والسينما والعلوم الرقمية وعلم النفس وفلسفة الصورة.
أولاً: الإسقاط النجمي… مفهوم الخروج من الجسد
يُعرَّف الإسقاط النجمي أو الأثيري بأنه تفسير افتراضي لتجربة الخروج من الجسد (Out-of-Body Experience – OBE)، تقوم فكرته على الاعتقاد بأن الوعي أو ما يُسمّى بالجسد النجمي أو الأثيري يستطيع الانفصال مؤقتاً عن الجسد المادي، والتنقل في المحيط أو في عوالم وأبعاد يُعتقد أنها غير خاضعة للإدراك الحسي المعتاد.
وتعود تصورات وجود أجسام أو مستويات غير مادية للإنسان إلى تقاليد فلسفية وروحية قديمة ومتنوعة، ثم تطورت في بعض الحركات الروحانية الحديثة، ولا سيما التيارات المرتبطة بالثيوصوفيا والباطنية الغربية.
ومن أبرز العناصر المتداولة في أدبيات الإسقاط النجمي:
1- الجسد الأثيري أو النجمي (Astral Body):
يُعتقد، وفق هذه التصورات، أن الإنسان يمتلك هيئة غير مادية ترتبط بجسده الفيزيائي، وتُوصف أحياناً بأنها وسيط بين الجسد والوعي.
2- الحبل الفضي (Silver Cord):
تتحدث بعض المعتقدات عن رابط غير مرئي يصل الجسد النجمي بالجسد المادي، ويُعتقد أنه يضمن العودة إلى الجسد الأصلي. غير أن هذا التصور لا يستند إلى إثبات تشريحي أو فيزيائي.
3- حالة الانفصال المزعومة:
يصف بعض الأشخاص شعوراً بأنهم ينظرون إلى أجسادهم من الخارج، أو يطفون فوقها، أو يشاهدون الغرفة والمحيط من زاوية مختلفة عن موقعهم الجسدي.
4- الرحلة خارج الجسد:
يذهب بعض الممارسين إلى الاعتقاد بإمكانية الانتقال إلى أماكن بعيدة أو عوالم غير مادية، مع الاحتفاظ بدرجة من الوعي والإدراك.
وهنا ينبغي التأكيد أن هذه الأوصاف تعبّر عن معتقدات وتجارب ذاتية، ولا تثبت حدوث انفصال فعلي للوعي أو وجود جسم أثيري مستقل.
ثانياً: الفروع والتجارب المرتبطة بالإسقاط النجمي
تتداخل في أدبيات الإسقاط النجمي مجموعة من الظواهر والتجارب التي تختلف في طبيعتها وتفسيرها العلمي، لكنها تلتقي في اهتمامها بالعلاقة بين الوعي والإدراك والصورة الذهنية.
1- تجربة الخروج من الجسد (Out-of-Body Experiences – OBE)
تُعد من أبرز التجارب المرتبطة بالإسقاط النجمي، ويصفها أصحابها بالشعور بمشاهدة الجسد من موقع خارجي، وكأن نقطة الإدراك انفصلت عن الموقع الجسدي المعتاد.
وتشير الأبحاث النفسية والعصبية إلى أن هذه التجارب قد ترتبط بآليات تكوين الإحساس بموضع الذات داخل الجسد، وبالتكامل بين المعلومات البصرية واللمسية والدهليزية المسؤولة عن التوازن والإحساس بالمكان.
2- الأحلام الجلية أو الواعية (Lucid Dreaming)
هي حالة يدرك فيها الإنسان أنه يحلم أثناء استمرار الحلم، وقد يستطيع التأثير في بعض أحداثه أو توجيه مساره.
وقد يرى نفسه يطير أو ينتقل بين الأمكنة أو يتعامل مع شخصيات ومشاهد خيالية شديدة الوضوح.
وتكمن أهميتها في علاقتها بالصورة الذهنية؛ إذ يستطيع الدماغ إنتاج مشاهد بصرية متكاملة دون وجود مشهد خارجي أمام العين.
ومن منظور التصوير، تشبه هذه التجربة مختبراً داخلياً تتشكل فيه الصور والألوان والحركة والإضاءة وفق نشاط الدماغ والذاكرة والخيال.
3- التخاطر (Telepathy)
يُستخدم المصطلح للإشارة إلى ادعاء انتقال الأفكار أو المعلومات بين الأشخاص دون وسيلة اتصال حسية معروفة.
ورغم حضوره في الأدبيات الروحانية والباراسيكولوجية، فإنه لم يثبت بوصفه قدرة اتصال مستقلة وفق معايير البحث العلمي القابل للتكرار.
4- الرؤية عن بُعد (Remote Viewing)
تشير إلى ادعاء القدرة على وصف أماكن أو مشاهد بعيدة لا يستطيع الشخص الوصول إليها مباشرة عبر حواسه المعتادة.
وقد خضعت هذه الادعاءات لاختبارات وتجارب بحثية، لكن النتائج لم تقدم دليلاً مستقراً وموثوقاً يثبت امتلاك الإنسان قدرة خارقة على اكتساب المعلومات بصرياً من مسافات بعيدة.
ومن المهم التمييز بين هذه الظواهر؛ فالأحلام الجلية وتجارب الخروج من الجسد خبرات ذاتية يمكن دراستها نفسياً وعصبياً، أما التخاطر والرؤية عن بُعد فيتضمنان ادعاءات إضافية تحتاج إلى أدلة تجريبية مستقلة.
ثالثاً: التصوير الضوئي… حين يصبح الضوء شاهداً على العالم المرئي
يُعد التصوير الضوئي (Photography) أحد أهم التحولات في تاريخ التعبير البصري الإنساني؛ فهو يقوم على استقبال الضوء المنعكس أو المنبعث من الأجسام بواسطة نظام بصري، ثم تسجيله على وسيط حساس، سواء كان فيلماً كيميائياً أو مستشعراً رقمياً.
لكن علاقة التصوير بالإسقاط النجمي لا تكمن في إثبات وجود عوالم أثيرية، بل في قدرته الفنية على التعبير عن الحالات النفسية والذهنية التي تصاحب تصورات الخروج من الجسد.
فالمصور يستطيع بناء صورة توحي بانفصال الذات عن الجسد، باستخدام تقنيات مثل:
- التعريض الطويل (Long Exposure).
- التعريض المزدوج (Double Exposure).
- التصوير بالأشعة تحت الحمراء (Infrared Photography).
- التصوير الظلي (Silhouette Photography).
- الانعكاسات والمرايا (Reflections).
- التصوير الضبابي والحركة المقصودة.
- التلاعب بالمنظور والعمق الميداني.
ومن خلال هذه الأساليب يمكن تصوير جسد يبدو شفافاً، أو هيئة بشرية تتلاشى تدريجياً، أو ظلال تتكرر في الفضاء، أو شخص يبدو وكأنه يراقب جسده من نقطة خارجية.
إنها لغة بصرية تستعير من الخيال الروحي مفرداته، لكنها تعتمد في إنتاجها على الضوء والعدسة والتكوين والتعريض والمعالجة الفنية.
رابعاً: التصوير السينمائي… تحويل تجربة الخروج من الجسد إلى سرد بصري
إذا كانت الصورة الفوتوغرافية تستطيع تجميد لحظة توحي بالخروج من الجسد، فإن السينما تمتلك قدرة أوسع على بناء تجربة متكاملة، لأنها تجمع بين الصورة والحركة والصوت والزمن والمونتاج.
وقد أصبح موضوع الخروج من الجسد والوعي المنفصل عن الجسد مادة خصبة في السينما الخيالية والفلسفية والنفسية.
وتستطيع الكاميرا السينمائية التعبير عن هذه الحالة من خلال مجموعة من التقنيات:
1- حركة الكاميرا العائمة (Floating Camera Movement):
تُستخدم حركة الكاميرا الانسيابية لمحاكاة شعور الطفو أو الانفصال عن الأرض، وكأن المشاهد يرى العالم من موقع غير مألوف.
2- وجهة النظر الذاتية (POV – Point of View):
تسمح هذه التقنية للمشاهد برؤية الأحداث من منظور الشخصية، ويمكن توظيفها لمحاكاة الإحساس بمراقبة الجسد من الخارج.
3- التصوير بزاوية علوية (Overhead Shot):
تُستخدم الكاميرا في موقع مرتفع فوق الشخصية، لتكوين مشهد يوحي بمراقبة الجسد من الأعلى.
4- المؤثرات البصرية (Visual Effects – VFX):
تتيح المؤثرات الرقمية إنشاء نسخ متعددة من الشخصية، أو إظهار هيئة شفافة تتحرك بعيداً عن الجسد، أو بناء فضاءات غير واقعية.
5- المونتاج المتوازي (Parallel Editing):
يمكن الانتقال بين الجسد الساكن والمشهد المتخيل، بحيث يشعر المشاهد بوجود مستويين متوازيين من الإدراك.
6- التصميم الصوتي (Sound Design):
تُستخدم الأصوات المكتومة والذبذبات والمؤثرات منخفضة التردد والصمت المفاجئ لتصوير حالة الانتقال بين النوم واليقظة أو الوعي والخيال.
وهكذا تتحول السينما إلى مختبر سردي يختبر حدود الإدراك الإنساني، ويمنح الأفكار المجردة شكلاً مرئياً ومسموعاً.
خامساً: التصوير الرقمي… عندما تصبح العوالم المتخيلة قابلة للبناء الحاسوبي
أحدث التصوير الرقمي (Digital Photography) ثورة في مفهوم الصورة، فلم تعد الكاميرا تكتفي بتسجيل الضوء، بل أصبحت جزءاً من منظومة حاسوبية قادرة على تحليل البيانات البصرية ومعالجتها وإعادة تركيبها.
ومن هنا يمكن توظيف التصوير الرقمي في إنتاج مشاهد تحاكي الإسقاط النجمي، اعتماداً على تقنيات متقدمة، منها:
1- التركيب الرقمي (Digital Compositing):
دمج صور متعددة في مشهد واحد، لإظهار الشخصية في صورتين أو مستويين مختلفين من الوجود البصري.
2- النمذجة ثلاثية الأبعاد (3D Modeling):
إنشاء مجسمات رقمية للجسد والفضاء المحيط، تسمح بتصميم هيئة بشرية تبدو منفصلة عن جسدها.
3- الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد (3D Animation):
تحريك نموذج رقمي يحاكي حركة الإنسان أو الجسد الشفاف في فضاء افتراضي.
4- الواقع الافتراضي (Virtual Reality – VR):
إنشاء بيئات رقمية غامرة يستطيع المستخدم استكشافها من منظور بصري يحاكي الطفو أو التحليق أو الانتقال بين الأمكنة.
5- الواقع المعزز (Augmented Reality – AR):
إضافة عناصر افتراضية إلى المشهد الواقعي، بما يسمح بتركيب أشكال أو هالات أو أجسام رقمية على صورة العالم الحقيقي.
6- الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI):
توليد مشاهد وشخصيات وفضاءات خيالية انطلاقاً من أوصاف نصية أو صور مرجعية، وإنتاج تصورات بصرية لعوالم غير مألوفة.
لكن من الضروري التمييز بين إنشاء صورة رقمية تحاكي عالماً متخيلاً، وبين إثبات وجود ذلك العالم في الواقع. فالذكاء الاصطناعي يستطيع توليد مشهد مذهل لجسد أثيري، لكنه لا يقدم بذلك دليلاً على وجود جسد أثيري حقيقي.
سادساً: العلاقة بين التصوير الفوتوغرافي والسينمائي والرقمي والإسقاط النجمي
يمكن قراءة العلاقة بين هذه المجالات من خلال ثلاثة مستويات أساسية:
المستوى الأول: المستوى الفوتوغرافي – تسجيل الأثر البصري
التصوير الضوئي يتعامل مع الضوء بوصفه ظاهرة فيزيائية قابلة للقياس والتسجيل، لكنه يستطيع أيضاً التعبير عن الحالات الذهنية والنفسية من خلال التكوين والرمز والظل والانعكاس.
وفي هذا المستوى يمكن بناء صورة فنية توحي بانفصال الإنسان عن جسده، دون الادعاء بأن الصورة توثق انفصالاً حقيقياً.
المستوى الثاني: المستوى السينمائي – محاكاة التجربة والزمن
تستطيع السينما تحويل الفكرة إلى رحلة بصرية متتابعة، تبدأ من الجسد المادي، ثم تنتقل إلى فضاء تخيلي، وتعود إلى نقطة البداية.
وهنا يصبح المونتاج والحركة والصوت أدوات لتصوير تجربة ذاتية لا يمكن للكاميرا أن تثبت حدوثها خارج إدراك الشخصية.
المستوى الثالث: المستوى الرقمي – إنشاء العالم الافتراضي
تتجاوز الصورة الرقمية حدود التسجيل التقليدي، لتصبح قادرة على بناء عوالم كاملة، وتغيير قوانين المنظور والحركة والجاذبية والشفافية.
وهذا المستوى هو الأكثر قدرة على تجسيد التصورات المرتبطة بالإسقاط النجمي بصرياً، لكنه يظل ضمن حدود المحاكاة الحاسوبية والإبداع الفني.
سابعاً: ماذا يقول العلم عن تجربة الخروج من الجسد؟
رغم الانتشار الواسع لقصص الإسقاط النجمي، فإن العلم لا يمتلك دليلاً تجريبياً موثوقاً يثبت خروج الوعي أو الروح من الجسد وانتقالها إلى أماكن أخرى.
وتشير الأبحاث في علم الأعصاب وعلم النفس إلى أن تجارب الخروج من الجسد قد ترتبط باضطرابات أو تغيرات في معالجة الدماغ للمعلومات الحسية، ولا سيما المعلومات المتعلقة بموقع الجسم وإحساس الإنسان بذاته في الفضاء.
ومن أهم التفسيرات والظواهر المرتبطة بها:
أ- شلل النوم (Sleep Paralysis):
حالة مؤقتة يعجز فيها الإنسان عن الحركة عند الانتقال بين النوم واليقظة، وقد تصاحبها أحاسيس بوجود أشخاص أو ظلال أو أصوات، وأحياناً شعور بالطفو أو مغادرة الجسد.
ب- الهلوسات السابقة للنوم (Hypnagogic Hallucinations):
صور ومشاهد وأصوات قد تظهر أثناء الدخول في النوم، وتكون أحياناً شديدة الواقعية.
ج- الهلوسات التالية للاستيقاظ (Hypnopompic Hallucinations):
تجارب إدراكية تحدث أثناء الانتقال من النوم إلى اليقظة، وقد تختلط فيها الصور الحلمية بالمشهد الواقعي.
د- الأحلام الواعية (Lucid Dreams):
قد تمنح الإنسان إحساساً بالتحكم في المشاهد الحلمية، وربما يفسرها بعض الأشخاص باعتبارها رحلة خارج الجسد.
هـ- اضطراب التكامل الحسي المكاني:
تؤدي بعض التغيرات في معالجة الدماغ للإشارات البصرية والدهليزية والحسية إلى اضطراب الإحساس بموقع الذات والجسد.
ومن أبرز المجالات البحثية في هذا السياق دراسة المنطقة الصدغية الجدارية (Temporo-Parietal Junction – TPJ)، التي تؤدي دوراً مهماً في دمج المعلومات الحسية وبناء الإحساس بموضع الجسم في الفضاء.
وهنا تتجلى أهمية العلم في الفصل بين حقيقة التجربة بوصفها إحساساً يعيشه الإنسان، وبين التفسير الذي يقدمه لها. فالشعور بالخروج من الجسد قد يكون حقيقياً بالنسبة إلى صاحبه، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجسد أو الوعي قد انفصل فعلياً وانتقل إلى مكان آخر.
ثامناً: الإسقاط النجمي بين الفلسفة والروحانيات والمنظور الديني
لا يمكن تناول الإسقاط النجمي دون الإشارة إلى الخلفيات الفلسفية والروحية التي أحاطت بمفهوم الروح والجسد والوعي منذ الحضارات القديمة.
فقد ظهرت في ثقافات مختلفة تصورات عن انتقال الروح، والعوالم غير المرئية، والأحلام، والرحلات الروحية، كما ظهرت في بعض المعتقدات القديمة صور رمزية للروح وهي تحلق فوق الجسد.
وفي العصر الحديث، أعادت بعض التيارات الروحانية صياغة هذه التصورات تحت مسميات مثل الجسد الأثيري والرحلة النجمية والحبل الفضي.
أما في المنظور الإسلامي، فإن الحديث عن الروح والغيب يخضع لما ثبت في النصوص الشرعية، ولا يصح الجزم بوجود آليات أو قدرات غيبية لم يقم عليها دليل معتبر.
وقد حذرت بعض الفتاوى والكتابات الشرعية من تصديق ادعاءات الإسقاط النجمي أو ممارسة طقوسه باعتبارها وسيلة مضمونة للخروج من الجسد أو السفر عبر العوالم الغيبية، ومن ذلك ما ورد في فتوى إسلام ويب رقم 128992 بعنوان «الإسقاط النجمي ضرب من التقول بلا برهان».
ومن المهم هنا عدم الخلط بين دراسة الأحلام والوعي والإدراك من الناحية النفسية والعصبية، وبين تبني ادعاءات غيبية لا يمكن إثباتها بالتجربة العلمية.
تاسعاً: كيف يستطيع المصور إنتاج مشروع فني عن الإسقاط النجمي؟
يمكن تحويل هذا الموضوع إلى مشروع فوتوغرافي أو سينمائي متكامل، يحمل عنواناً مثل «ما وراء الجسد: رحلة الضوء والوعي»، ويعتمد على مجموعة من المشاهد الرمزية التي تجمع بين التصوير الواقعي والمعالجة الرقمية.
ومن الأفكار الفنية المقترحة:
المشهد الأول: الجسد والظل
شخص يجلس في غرفة مظلمة، بينما يمتد ظله على الجدار بصورة غير متطابقة مع وضعية جسده، في إشارة إلى ازدواجية الذات والإحساس بالانفصال.
المشهد الثاني: الجسد الشفاف
استخدام تقنية التعريض المزدوج لإظهار شخصية شفافة تقف إلى جانب جسدها المادي، بما يوحي بتجربة الخروج من الجسد.
المشهد الثالث: مراقبة الذات
تصوير شخص مستلقٍ على سرير من زاوية علوية، مع إضافة نسخة رقمية شفافة منه تبدو وكأنها تنظر إلى جسده.
المشهد الرابع: عبور الضوء
توظيف التعريض الطويل ومصادر الإضاءة المتحركة لتشكيل مسارات ضوئية توحي بالحركة والانتقال بين المستويات البصرية.
المشهد الخامس: الوعي داخل الحلم
تصميم مشهد سريالي يجمع بين عناصر واقعية وأخرى مستحيلة، مع توظيف المنظور غير المنطقي والألوان غير الطبيعية.
المشهد السادس: العودة إلى الجسد
إعادة الشخصية إلى وضعها الطبيعي، مع تلاشي المؤثرات البصرية تدريجياً، في إشارة إلى انتهاء التجربة والعودة إلى الواقع.
ويمكن تنفيذ المشروع باستخدام كاميرات DSLR أو Mirrorless، وحوامل ثابتة، وإضاءة استوديو، وتقنيات التعريض الطويل، وبرامج معالجة الصور مثل Adobe Photoshop، وبرامج المونتاج والمؤثرات البصرية مثل Adobe After Effects، إلى جانب أدوات النمذجة ثلاثية الأبعاد.
عاشراً: من الصورة المرئية إلى الصورة الذهنية… فلسفة الإدراك وحدود الكاميرا
ثمة سؤال فلسفي مهم يفرض نفسه هنا: هل ترى الكاميرا العالم كما تراه العين البشرية؟
الإجابة أن الكاميرا لا ترى بالمعنى الإنساني؛ فهي تستقبل الضوء وتحوله إلى إشارات أو بيانات قابلة للتسجيل والمعالجة، بينما يقوم الدماغ بتفسير المشهد وربطه بالذاكرة والانفعال والتجربة السابقة.
فالإنسان لا يدرك العالم من خلال العين وحدها، بل من خلال منظومة معقدة تتداخل فيها الحواس والذاكرة والانتباه والخيال والوعي.
ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من الصور:
- الصورة الفيزيائية: وهي الصورة الناتجة عن انعكاس الضوء وتسجيله بواسطة الكاميرا.
- الصورة الذهنية: وهي المشهد الذي يبنيه الدماغ اعتماداً على الإدراك والذاكرة والخيال.
- الصورة الحاسوبية: وهي الصورة التي تنتج عن معالجة البيانات الرقمية أو توليدها خوارزمياً.
وتلتقي هذه المستويات في الفن الفوتوغرافي والسينمائي والرقمي، حيث يستطيع الفنان الانتقال من تسجيل الواقع إلى تفسيره، ثم إعادة تشكيله وفق رؤية جمالية وفلسفية.
وبهذا المعنى، لا تكون الكاميرا أداة لإثبات الإسقاط النجمي، وإنما وسيلة لاستكشاف الكيفية التي يتخيل بها الإنسان ذاته والعالم المحيط به.
خاتمة: حين تعجز العدسة عن رؤية الغيب… يتكلم الفن بلغة الخيال
بين التصوير الضوئي والتصوير السينمائي والتصوير الرقمي، وبين مفاهيم الإسقاط النجمي وتجارب الخروج من الجسد، تمتد مساحة واسعة من التساؤلات حول طبيعة الوعي وحدود الرؤية والعلاقة بين الإنسان والصورة.
لقد استطاعت الفوتوغرافيا أن تحفظ لحظات الواقع، واستطاعت السينما أن تمنحها الحركة والزمن، بينما فتحت التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أبواباً جديدة لبناء عوالم لا وجود لها بالضرورة خارج الشاشة.
أما الإسقاط النجمي، فيبقى موضوعاً تتداخل فيه المعتقدات الروحية والتجارب الذاتية والتفسيرات النفسية، دون أن يتوافر حتى الآن دليل علمي موثوق يثبت انفصال الوعي عن الجسد وانتقاله بصورة مستقلة.
ولعل القيمة الفنية الحقيقية لهذا الموضوع لا تكمن في إثبات ما وراء الجسد، بل في استكشاف ما وراء الصورة نفسها؛ كيف يتشكل الوعي؟ وكيف تتحول الأحلام إلى مشاهد؟ وكيف يستطيع المصور أن يجعل من الضوء لغةً للتعبير عن أكثر التجارب الإنسانية غموضاً؟
فالكاميرا تستطيع أن تصنع صورة للروح كما يتخيلها الفنان، والسينما تستطيع أن تمنحها حركة، والتقنيات الرقمية تستطيع أن تبني لها عالماً كاملاً، لكن الحقيقة العلمية تظل بحاجة إلى البرهان، لا إلى جمال المشهد وحده.
فبين ما تراه العين، وما يتخيله العقل، وما تصنعه الخوارزمية، تبقى الصورة رحلة مفتوحة لاكتشاف الإنسان… وحدود إدراكه للعالم.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت



