فراس السواح.. حين عاد العقل إلى مهد الأسطورة
مفكر سوري جعل من الميثولوجيا جسراً بين الإنسان القديم وأسئلة الإنسان المعاصر
إعداد: فريد ظفور
في تاريخ الفكر العربي الحديث، ثمة أسماء لم تكتفِ بقراءة التراث، بل حاولت أن تعيد اكتشاف الأسئلة المختبئة خلفه. ومن بين هذه الأسماء يبرز المفكر والباحث السوري فراس السواح، الذي اختار أن يدخل إلى عالم الميثولوجيا وتاريخ الأديان من أوسع أبوابه، وأن يتعامل مع الأسطورة لا بوصفها حكاية غابرة أو خرافة من زمن بعيد، وإنما باعتبارها وثيقة إنسانية تكشف كيف بدأ العقل البشري يفكر في الكون، والموت، والحياة، والخلق، والشر، والحب، والمصير.
ولد فراس السواح في حمص عام 1941، ونشأ في بيئة ثقافية كان لها أثر في تكوينه الفكري. درس الاقتصاد في جامعة دمشق وتخرج عام 1965، ثم اتجه اهتمامه بصورة متزايدة نحو الفلسفة والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وتشير المصادر إلى أنه بدأ الكتابة الصحفية والثقافية في وقت مبكر، قبل أن يتبلور مشروعه البحثي الذي سيقوده لاحقاً إلى دراسة حضارات الشرق الأدنى القديم وأساطيرها وأديانها.
ولعل أهم ما يميز تجربة السواح أن مشروعه لم يكن مجرد تجميع للأساطير أو إعادة سرد للنصوص القديمة، بل محاولة لفهم الإنسان الذي صنع الأسطورة؛ أي ذلك الإنسان الذي وقف أمام السماء والبرق والموت والولادة والطوفان والخصب والجفاف، ثم حاول أن يمنح هذه الظواهر معنى، وأن يحول خوفه وأسئلته إلى رموز وحكايات وطقوس.
من حمص إلى مرافئ الشرق القديم
حين نتأمل المسار الفكري لفراس السواح، نكتشف أن الجغرافيا السورية كانت حاضرة في عمق مشروعه. فبلاد الشام ليست مجرد منطقة جغرافية في التاريخ، بل واحدة من أهم المساحات التي تلاقت فيها حضارات وأديان وأساطير كبرى.
ومن هنا جاء اهتمامه بسوريا القديمة وبلاد الرافدين وكنعان وأوغاريت ومصر والبيئات الحضارية المحيطة بها. لقد نظر إلى الشرق الأدنى القديم بوصفه مختبراً مبكراً للفكر الديني والرمزي، حيث تبلورت موضوعات ستظل ترافق الإنسان آلاف السنين: الخَلق، الطوفان، الفردوس، العالم السفلي، الإله الميت، الإله المخلّص، الخير والشر، والموت والانبعاث.
وفي كتابه التأسيسي «مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة، سورية وبلاد الرافدين»، الصادر عام 1976، بدأ السواح مشروعه الكبير الذي سيصبح لاحقاً واحداً من أبرز المشاريع العربية في دراسة ميثولوجيا الشرق القديم. وتؤكد البيانات الببليوغرافية للكتاب صدوره الأول في عام 1976، كما أن النسخ اللاحقة حملت إضافات ومقدمات جديدة نتيجة استمرار الحوار بين المؤلف وكتابه عبر العقود.
وليس من المصادفة أن يحمل الكتاب عنوان «مغامرة العقل الأولى»؛ فالمقصود ليس مغامرة الإنسان في المكان فحسب، بل مغامرته الأولى في تفسير الوجود.
الأسطورة ليست خرافة
هنا تكمن إحدى أهم مفاتيح قراءة مشروع فراس السواح.
فالأسطورة في رؤيته ليست مجرد قصة خيالية ابتكرها الإنسان القديم لأنه يجهل قوانين الطبيعة، وإنما هي لغة رمزية حاول الإنسان من خلالها أن يمنح العالم معنى.
فالطوفان، مثلاً، لا يصبح مجرد قصة عن مياه اجتاحت الأرض، وإنما يدخل في شبكة واسعة من التصورات القديمة عن الموت والتجدد وإعادة الخلق. وقصص الخلق لا تصبح حكايات عن بداية العالم فقط، بل تعكس تصور الإنسان للعلاقة بين الفوضى والنظام، وبين الظلام والنور، وبين الموت والحياة.
وفي «مغامرة العقل الأولى» يقارن السواح بين نماذج متعددة من أساطير الخلق والطوفان والفردوس والعالم السفلي، بما يكشف التشابكات والتوازيّات بين تقاليد الشرق القديم. وتصف المصادر الكتاب بأنه دراسة واسعة للرموز والدلالات النفسية والتاريخية والثقافية الكامنة خلف الأسطورة.
وهكذا تصبح الأسطورة، في مشروعه، مرآة للإنسان قبل أن تكون مرآة للآلهة.
«لغز عشتار».. عندما دخلت الألوهة المؤنثة إلى قلب البحث
بعد «مغامرة العقل الأولى»، جاء كتاب «لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة» عام 1985، ليحتل مكانة بارزة في مشروع السواح.
عشتار هنا ليست شخصية أسطورية منفردة، بل بوابة واسعة لفهم حضور الألوهة المؤنثة في المشرق القديم، وعلاقة المرأة بالخصب والحياة والموت والتجدد، وكذلك العلاقة بين الأسطورة والبنية الدينية والاجتماعية.
وتكتسب شخصية عشتار في الدراسات القديمة أهمية خاصة لأنها تقف عند منطقة شديدة الحساسية من المخيال الإنساني: الأنثى بوصفها قوة للحياة، والحب، والخصب، وفي الوقت نفسه قوة مرتبطة بالموت والدمار والتحول.
وقد ساعد هذا الكتاب على توسيع دائرة النقاش العربي حول الأسطورة والدين والرمز، وفتح المجال أمام القارئ العربي للاقتراب من الميثولوجيا القديمة باعتبارها حقلاً معرفياً متكاملاً، لا مجرد حكايات منسية.
من الأسطورة إلى الدين.. السؤال الأكبر
لا يتوقف مشروع السواح عند حدود الميثولوجيا، بل ينتقل منها إلى سؤال أكثر عمقاً:
كيف نشأ الدين؟
في كتابه «دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني»، يقترب الباحث من واحدة من أقدم المسائل التي شغلت الفلاسفة وعلماء الأديان والأنثروبولوجيا: لماذا احتاج الإنسان إلى الدين؟
وهنا يتحول البحث من دراسة الآلهة إلى دراسة الإنسان نفسه.
فالإنسان الذي يخاف الموت، ويبحث عن معنى للوجود، ويتساءل عن أصل الكون ومصيره، لا يعيش فقط في عالم مادي؛ إنه يعيش أيضاً في عالم من الرموز والأسئلة والتصورات. ومن هذه المنطقة النفسية والروحية تشكلت تجارب دينية وأساطير وطقوس امتدت عبر آلاف السنين.
وفي حديث منسوب إليه عن مشروعه الفكري، يؤكد السواح أن همه كان البحث عن وحدة التجربة الروحية للإنسان عبر التاريخ، بغض النظر عن مصدر هذه الخبرة الدينية.
وهذه الفكرة تكشف جانباً مركزياً في مشروعه: إنه لا يدرس الدين من أجل إصدار حكم عقائدي عليه، وإنما يحاول فهم كيف عاش الإنسان تجربته الدينية وكيف عبّر عنها.
جلجامش.. الإنسان أمام الموت
ومن العلامات البارزة في مشروع السواح اهتمامه بملحمة جلجامش، واحدة من أقدم الملاحم الكبرى التي وصلتنا من حضارات بلاد الرافدين.
جلجامش في القراءة الحديثة ليس مجرد ملك أسطوري، بل إنسان يكتشف محدودية القوة أمام الموت.
وهنا تلتقي الميثولوجيا بالفلسفة.
فالملك الذي يبحث عن الخلود يكتشف أن الإنسان، مهما بلغت قوته، يبقى كائناً فانياً. ومن خلال هذه الرحلة يتحول النص القديم إلى سؤال معاصر: ماذا يعني أن يكون الإنسان إنساناً؟
وقد تناول السواح جلجامش ضمن أعماله، ومن بينها «كنوز الأعماق: قراءة في ملحمة جلجامش»، في محاولة لإعادة قراءة هذا النص الرافدي القديم من زاوية تجمع بين الأسطورة والمعنى الإنساني. وتورد قوائم أعماله هذا الكتاب ضمن مشروعه في الميثولوجيا وتاريخ الأديان.
وهكذا يصبح جلجامش، بعد آلاف السنين، قريباً من قارئ اليوم؛ لأن سؤال الموت لم يتغير.
أوغاريت.. سورية في قلب التاريخ الأسطوري
ومن الطبيعي أن تحتل أوغاريت مكانة مهمة في مشروع باحث سوري يشتغل على جذور الميثولوجيا المشرقية.
فالنصوص الأوغاريتية كشفت عن عالم غني من الأساطير والآلهة والطقوس، وأسهمت في إضاءة جوانب مهمة من الحياة الدينية والثقافية في الساحل السوري القديم.
ومن خلال اهتمامه بأوغاريت وبالتراث الكنعاني والسوري القديم، حاول السواح أن يضع الأسطورة السورية في سياقها الأوسع، وأن يقرأ صلاتها بالموروث الديني والأسطوري في المنطقة.
إنها محاولة لاستعادة الذاكرة العميقة للمكان؛ فقبل أن تكون سورية دولة حديثة وحدوداً سياسية، كانت هذه الأرض واحدة من أقدم مسارح الحضارة الإنسانية.
بين التوراة والشرق الأدنى القديم
من أكثر المساحات حساسية في أعمال فراس السواح دراساته المتعلقة بالنصوص التوراتية وعلاقتها بتاريخ الشرق الأدنى القديم.
ومن عناوينه في هذا المجال «الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم»، و**«تاريخ أورشليم»، و«أورشليم بين التوراة والتاريخ»**، إلى جانب أعمال أخرى تتناول القصص التوراتي وصلاته بالتراث القديم.
وفي هذه الدراسات يحاول الباحث التمييز بين النص الديني بوصفه نصاً مقدساً وبين استخدامه بوصفه وثيقة تاريخية يمكن مقارنتها بمصادر ونصوص وحضارات أخرى.
وهذا المنهج المقارن هو أحد أكثر الجوانب إثارة في مشروعه؛ لأنه يضع النصوص القديمة جنباً إلى جنب، ويدعو القارئ إلى اكتشاف أوجه التشابه والاختلاف والتطورات التي طرأت على القصص والرموز عبر العصور.
وقد امتد اهتمامه لاحقاً إلى العلاقة بين القصص القرآني ونظائره التوراتية، في كتاب «القصص القرآني ومتوازياته التوراتية».
المسيح والغنوصية.. قراءة خارج المألوف:
لم يحصر السواح بحثه في أديان الشرق القديم، بل اتجه أيضاً إلى المسيحية المبكرة والتيارات الغنوصية.
وفي كتاب «الوجه الآخر للمسيح: مقدمة في الغنوصية المسيحية»، يفتح نافذة على تيارات فكرية ودينية مختلفة ظهرت في البيئة المسيحية القديمة.
كما تناول في أعمال أخرى الأناجيل والقصص الديني وتطور التصورات الدينية.
وهنا تظهر سمة أساسية في شخصية الباحث: الرغبة في الذهاب إلى المناطق التي لا يكتفي فيها السؤال بالإجابة التقليدية.
إنه باحث يفضل أن يضع النص على طاولة الفحص والمقارنة، وأن يسأل عن سياقه التاريخي والثقافي، وعن طبقاته الرمزية، وعن الإنسان الذي أنتجه وتلقاه عبر القرون.
«الله والكون والإنسان».. ثلاثية السؤال الوجودي
ربما يمكن اختزال جانب كبير من مشروع السواح في ثلاث كلمات:
الله – الكون – الإنسان.
فهي ليست مجرد موضوعات منفصلة، بل ثلاثية مترابطة تشكل جوهر التجربة الفكرية والدينية للبشرية.
وفي كتابه «الله والكون والإنسان»، يقترب من الأسئلة التي رافقت الإنسان منذ أن بدأ وعيه يتشكل:
من أين جاء الكون؟
كيف ظهر الإنسان؟
هل هناك قوة عليا وراء الوجود؟
ما معنى الموت؟
وهل هناك حياة أخرى؟
ولماذا يحتاج الإنسان إلى تفسير العالم؟
وهذه الأسئلة، كما يرى السواح في جوهر مشروعه، ليست أسئلة حديثة؛ فالإنسان القديم طرحها بلغة الأسطورة، بينما يطرحها الإنسان الحديث بلغات الفلسفة والعلم والدين.
أكثر من ستة وعشرين كتاباً.. مشروع معرفي ممتد
تختلف بعض القوائم في عدد مؤلفات فراس السواح، إذ تذكر مصادر أكثر من 26 كتاباً، بينما قد تظهر أرقام أقل عند احتساب طبعات الأعمال الكاملة أو تصنيف بعض الأعمال ضمن الموسوعات والمساهمات والتحقيقات.
لكن الرقم، في النهاية، ليس هو القضية الأساسية.
الأهم هو اتساع المشروع وتنوعه.
ومن أبرز العناوين المتداولة في أعماله:
مغامرة العقل الأولى
لغز عشتار
دين الإنسان
جلجامش: ملحمة الرافدين الخالدة
الأسطورة والمعنى
الرحمن والشيطان
الوجه الآخر للمسيح
مدخل إلى نصوص الشرق القديم
طريق إخوان الصفا
كنوز الأعماق
تاريخ أورشليم
الله والكون والإنسان
الإنجيل برواية القرآن
ألغاز الإنجيل
القصص القرآني ومتوازياته التوراتية
موسوعة تاريخ الأديان، بمساهمته في إعدادها والإشراف عليها.
كما امتد نشاطه إلى الكتابة بلغات أخرى؛ فقد صدرت له أعمال باللغة الإنجليزية، كما شارك في عمل بالعربية والصينية حول الحكيم الصيني لاو تزو، بما يعكس اتساع اهتمامه من الشرق الأدنى إلى تاريخ الفكر الإنساني بصورة أرحب.
لماذا بقيت كتب فراس السواح حاضرة؟
لأن السواح لم يكتب عن الماضي من أجل الماضي.
هذه هي النقطة التي تجعل مشروعه قابلاً لإعادة القراءة.
فعندما يكتب عن عشتار، فإنه لا يحدثنا عن امرأة أسطورية وحسب، بل عن معنى الأنوثة والخصب والموت والتجدد.
وعندما يكتب عن جلجامش، فإنه لا يعيد سرد ملحمة قديمة، بل يضع الإنسان أمام سؤال الخلود.
وعندما يقرأ أساطير الطوفان، فإنه لا يبحث عن حكاية غارقة في الماضي، وإنما يفتش عن كيفية تعامل الإنسان مع فكرة الكارثة وإعادة البناء.
وعندما يدرس تاريخ الأديان، فإنه يعود بنا إلى السؤال الأول:
كيف صنع الإنسان المعنى؟
ومن هنا فإن قراءة فراس السواح تشبه الدخول إلى متحف ضخم، لكن المعروضات فيه ليست تماثيل وألواحاً طينية فحسب؛ إنها أفكار الإنسان الأولى.
بين الباحث والمفكر والفيلسوف
يصعب وضع فراس السواح في خانة واحدة.
فهو باحث في الميثولوجيا، ومؤرخ للأديان، وكاتب، ومفكر ذو نزعة فلسفية.
وما يمنح مشروعه خصوصيته هو التداخل بين هذه الحقول.
إنه لا يقرأ الأسطورة بمعزل عن التاريخ، ولا الدين بمعزل عن المجتمع، ولا النص بمعزل عن الإنسان.
ولهذا يمكن النظر إلى مشروعه بوصفه محاولة لبناء جسر بين علوم الإنسان؛ فالميثولوجيا تلتقي عنده بعلم الأديان، والتاريخ يلتقي بعلم النفس والأنثروبولوجيا، والنصوص القديمة تفتح أبواباً على الفلسفة.
المثيولوجيا بوصفها ذاكرة بصرية للإنسان
ومن منظور فني وثقافي، تكتسب أعمال السواح أهمية إضافية بالنسبة للفنان والمصور والسينمائي.
فالأسطورة في جوهرها صورة قبل أن تكون نصاً.
إنها عالم من الآلهة والأبطال والحيوانات المقدسة والجبال والمياه والنار والشمس والقمر والعالم السفلي. وهي بذلك تشكل واحداً من أقدم أشكال بناء الصورة في الوعي الإنساني.
وإذا كانت الفوتوغرافيا الحديثة تحفظ لحظة من الواقع، فإن الأسطورة حفظت لحظة من المخيال الإنساني.
الصورة تقول: هكذا كان العالم أمام عيني.
أما الأسطورة فتقول: هكذا كان العالم داخل وعي الإنسان.
ومن هذه الزاوية يمكن أن تكون قراءة فراس السواح مفيدة جداً للفنان المعاصر؛ لأنها تكشف الجذور القديمة للرمز، وكيف تحولت عناصر الطبيعة إلى علامات ودلالات ومعانٍ.
فراس السواح.. من الأسطورة إلى الإنسان
ربما يكون من الظلم أن نختصر فراس السواح في عبارة «باحث في الأساطير».
فالأسطورة عنده ليست الغاية النهائية.
الإنسان هو الغاية.
إنه يعود إلى الألواح القديمة لكي يفهم الإنسان الحديث.
يعود إلى عشتار لكي يفهم علاقة الإنسان بالحياة والموت والخصب.
يعود إلى جلجامش لكي يفهم خوف الإنسان من الفناء.
يعود إلى الطوفان لكي يفهم ذاكرة الكارثة.
يعود إلى قصص الخلق لكي يفهم حاجة الإنسان إلى تفسير البداية.
ويعود إلى تاريخ الأديان لكي يكتشف كيف بحث البشر، في أزمنة وأمكنة مختلفة، عن إجابات لأسئلة واحدة تقريباً.
ولهذا يمكن القول إن المشروع السواحي هو في أحد وجوهه رحلة طويلة إلى داخل الذاكرة الأولى للعقل البشري.
ختامها مسك وعنبر: حين يتكلم الماضي بلغة الحاضر
ليس المفكر فراس السواح مجرد اسم في قائمة الباحثين العرب الذين كتبوا عن الميثولوجيا وتاريخ الأديان؛ إنه صاحب مشروع فكري طويل أعاد من خلاله فتح أبواب واسعة على عالم الشرق القديم، وخصوصاً على الأساطير السورية والرافدية والكنعانية، وعلى تاريخ الأديان والنصوص الدينية في الشرق الأدنى.
منذ «مغامرة العقل الأولى» عام 1976 وحتى أعماله اللاحقة، ظل السؤال حاضراً: ماذا كان الإنسان يقول عن نفسه حين كان يتحدث عن الآلهة؟
وربما تكمن قيمة مشروع السواح في أنه يجعلنا نكتشف أن المسافة بين الإنسان القديم والإنسان المعاصر ليست كبيرة كما نتخيل.
فالأسماء تغيرت، واللغات تغيرت، والمدن اندثرت، والآلهة القديمة غابت من المعابد، لكن الأسئلة بقيت:
من أين جئنا؟
لماذا نموت؟
ما معنى وجودنا؟
ومن أين يأتي الخير والشر؟
وهل يستطيع الإنسان أن يصنع معنى لحياته في عالم لا يكف عن طرح الأسئلة؟
تلك الأسئلة هي التي جعلت الإنسان الأول يصنع الأسطورة، وهي نفسها التي جعلت الإنسان الحديث يصنع الفلسفة والعلم والفن.
ومن هنا، ربما كانت «مغامرة العقل الأولى» مستمرة حتى اليوم؛ لأن مغامرة العقل لا تنتهي ما دام الإنسان قادراً على أن يسأل.
فراس السواح.. باحثٌ عاد إلى ألواح الطين ليقرأ الإنسان، وإلى الأسطورة ليقرأ العقل، وإلى الماضي ليضع بين أيدينا مرآةً للحاضر.


