قد يكون “الاحتقار” (1963) لجان لوك غودار أجمل “اقتباس” لهوميروس، مع أن صاحبه كان يرى أن “الأوديسة” عملٌ يستعصي على السينما.
في عالم غودار، لا يدور الفيلم حول “الأوديسة” بقدر ما يدور حول شخصيات تتبادل النظرات والأحكام، قبل أن تتحوّل هي نفسها إلى موضوع لنظرة السينما وحكمها، ممثلةً في فريتس لانغ الذي يؤدّي دوره الحقيقي: مخرج يسعى إلى إنجاز اقتباس سينمائي للملحمة الهوميرية.
وأين تقع “الأوديسة” وسط كلّ هذا؟ يجعلها غودار مرآةً لقصّة الحبّ التي تتداعى بين بريجيت باردو وميشال بيكولي، فتغدو الملحمة القديمة استعارة لانهيار علاقة معاصرة.
الحكاية بسيطة: منتج أميركي (جاك بالانس) يكلّف لانغ بإخراج فيلم عن “الأوديسة”، فيستعين الأخير بكاتب سيناريو (بيكولي)، لإعادة كتابة النص بما يجعله أكثر جاذبية تجارياً. وفي موازاة ذلك، تبدأ علاقة الكاتب بزوجته بالتصدّع، لتصبح هي الدراما الحقيقية.
الفيلم الذي يصوّره لانغ يروي، ظاهرياً، رحلة عودة أوليس إلى بينيلوبي. لكن غودار يلمّح منذ البداية إلى أن هذه العودة ليست سوى صدى لمحنة زوجين يعيشان “مأساة” معاصرة.
يشبه بيكولي أوليس من جهة؛ فهو يبحث بدوره عن طريق العودة إلى حياته وزوجته، لكنه، على خلاف بطل هوميروس، يعجز عن إنقاذ زواجه. الحبّ لا ينهار بضربة واحدة، لكنه يتأكل ببطء، عبر سوء الفهم، والتنازلات الصغيرة، والتردد، حتى يبلغ نقطة اللاعودة.
الفيلم داخل الفيلم يأتي بسؤال محوري: لماذا تأخّر أوليس كلّ هذا الزمن في العودة إلى إيثاكا؟ يرى المنتج أن البطل كان، في أعماقه، يتهرب من العودة إلى زوجته، بينما يصر لانغ على قراءة أكثر شاعرية وإنسانية. أوليس، في نظره، رجل يصارع القدر، والتيه، وإغواء الرحلة، من دون أن يفقد الحنين إلى الوطن. ومن خلال هذا الاختلاف في التأويل، يصوغ غودار مواجهة بين منطق السوق ومنطق الفنّ.
والخلاف حول “الأوديسة” لا يقتصر على كيفية اقتباس نص أدبي، وإنما يتحول إلى سؤال أوسع: ما هي السينما؟ هل هي فنّ يجب أن يبقى وفياً لرؤية صاحبه، أم صناعة تخضع لإملاءات السوق؟
هذا كله، وغودار لا يعرض من “الأوديسة” شيئاً يُذكر. لا معارك، ولا آلهة، ولا مغامرات. مجرد بحر، وتماثيل إغريقية، وإشارات هنا وهناك. لكنه، في المقابل، يعيد توظيف الملحمة بأكملها كاستعارة للفكير في الحب حين يذبل، وفي فعل الخلق الفني وهو يصطدم بالمال والسلطة وسوء الفهم. أما موضوعاتها الكبرى، كالوفاء، والقدر، والحنين، فتظل حاضرة في كلّ مشهد.
و”الاحتقار” فيلم يقف على تخوم عالمين: عالم القيم الكلاسيكية الذي تمثّله “الأوديسة”، وعالم الستينات الذي كان يعيد صياغة كلّ شيء تمهيداً لبناء عالم جديد ما بعد حربين عالميتين. إنها مواجهة بين منتج يطمح إلى الحداثة باعتبارها سلعة، ومخرج يتمسّك بالأصل مقتنعاً بها كرؤية فنية.
كان في ودّي أن أضيف إن أجمل اقتباس لـ”الملك لير” كان أيضاً أمام كاميرا غودار، في فيلمه الفضيحة، لكن تلك حكاية أخرى.
في أي حال، بهاتين المحاولتين لنقل الأدب إلى السينما، قال غودار الكثير، وسجّل موقفاً جمالياً لم يتراجع عنه قط. واليوم، مع عرض فيلم كريستوفر نولان “الأوديسة”، يعود الجدال نفسه إلى الواجهة. أسئلة كان حسمها غودار قبل 60 عاماً، خصوصاً في ما يخص بالفارق الجوهري بين القراءة والاقتباس والتأويل.
- الترايلر في التعليقات.


