بقلم د. علي خليفة
(١)
كتب ألفريد فرج مسرحية بعنوان الأميرة والصعلوك – وكانت آخر مسرحية له – وكذلك كتب فتحي فضل مسرحية بنفس هذا العنوان، وسأعقد في هذا المقال مقارنة بين هاتين المسرحيتين؛ لاستجلاء أوجه التشابه والاختلاف بينهما.ومن أوجه التشابه بين هاتين المسرحيتين أن الشخص الذي وصف بالصعلوك في كل مسرحية منهما ليس في حقيقته صعلوكا؛ أي ليس فقيرا بائسا، وفي حاجة لمن يعينه ويعوله، فالشخص الذي وصف بالصعلوك في مسرحية ألفريد فرج هو ليس في حقيقته صعلوكا، ولكنه نساخ للكتب – واسمه حسن النساخ – وكان لا يكتفي بنسخها، بل كان يضيف لها بعض شعره وتعليقاته السياسية التي تنتقد العثمانيين الذين كانوا يحكمون مصر في تلك الفترة؛ وكانت هذه التعليقات سببا في غضب العثمانيين في مصر عليه، وتتبع بعض رجال الشرطة له؛ مما جعله يتخفى في ملابس شحاذ؛ ليخفى عن أنظارهم.وقد التقت الأميرة بحسن النساخ في هذه الملابس، فحسبته صعلوكا ومن أقل الناس شأنا، فقررت أن تتزوجه وفاء بنذرها؛ في أن يكون الزوج المحلل لها بعد طلاقها للمرة الثالثة من زوجها صقر هو أقل الناس شأنا؛ لأنها اكتشفت خيانته له مع طباخة في قصرهما، واشتد الخلاف بينهما، وحدث هذا الطلاق.والصعلوك الآخر في مسرحية فتحي فضل هو أيضا ليس صعلوكا، ولكنه شاب ذكي من أهل إحدى القرى، وقد سمع باختبارات الذكاء التي تقيمها الأميرة في هذه المملكة؛ لمن يرغبون في الزواج منها، وكانت تطلب إلى كل متقدم للزواج منها أن يطرح عليها ثلاثة ألغاز، وإذا حلتها يحل لها دمه، أما لو أنها عجزت عن حلها فسيكون هو زوجها المنتظر.ويظن هذا الشاب القروي أنه يستطيع أن يفحم هذه الأميرة بألغازه، ويعجزها عن حلها، وبهذا يتمكن من الزواج منها، والعيش في المدينة التي انبهر بها، وفي الوقت نفسه يمكنه بهذا أن يوقف قطع رقاب الشباب الذين كانوا يواصلون التقدم لهذه الاختبارات، ويفشلون فيها؛ لحل هذه الأميرة ألغازهم.وبهذا نرى أن وصف هذا الشاب الذي رغب في الزواج من الأميرة بالصعلوك جاء على اعتبار نظر هذه الأميرة له؛ فقد كانت متكبرة، وتظن ألا أحد يفوقها ذكاء، وأعجبتها لعبة انتصارها على عقول الشباب الذين يتقدمون لخطبتها، ولم تكن تعبأ بقطع رقابهم، وقد رأت هذه الأميرة هذا الشاب القروي المتقدم إليها صعلوكا، حتى سمعت ألغازه، وشعرت بغرابتها وعجزها عن حلها، ولجأت عند ذلك للحيلة؛ حتى تعرف حلها، قبل أن تظهر عجزها، وتضطر للاستسلام بالزواج منه.
(٢)
ومن جوانب الاختلاف بين هاتين المسرحيتين أن اللقاء الذي تم بين الأميرة والصعلوك في مسرحية ألفريد فرج كان في الحلم، وليس في الحقيقة، فعندما لبس حسن النساخ ملابس المتسول، ونام بجانب قارعة الطريق حلم بأنه التقى بهذه الأميرة التي عرضت عليه الزواج، وتزوجها، وأعجبت به؛ لثقافته وحسن حديثه، ولشعورها أنه قد أحبها بإخلاص؛ ولهذا تمسكت به.ولكن حسن يفيق من هذا الخلم لواقعه حين يستيقظ من نومه، ويرى بعض رجال الشرطة يحيطون به للقبض عليه، ويحاكمه القاضي، ويستطيع صديقه علي الكتبي أن ينقذه من هذا الموقف الصعب حين يقول لهذا القاضي: إن هذه التعليقات السياسية ضد العثمانيين لم يكتبها حسن بنفسه، ولكن كتبها شيطانه، ومن الغريب أن يقتنع القاضي بهذه الحجة الغريبة، ويعفو عن حسن، بل إنه يعرض عليه أن يكون كاتبا له، ولكن حسن يرفض ذلك العمل معه.أما اللقاء الذي حدث بين الأميرة والصعلوك في مسرحية فتحي فضل فكان في الواقع، فذهب هذا الشاب – الذي وصف بالصعلوك في عنوان المسرحية – إلى هذه الأميرة في قصرها، وعرض عليها ثلاثة ألغاز، واستعصى عليها حلها، وحاولت أن تحتال عليه بحيلة؛ لتعرف منه حل هذه الألغاز قبل مجيء اليوم التالي دون أن تحل هذه الألغاز، وتضطر للزواج منه، ولكن هذا الشاب عرف حيلتها، وأفسدها عليها بذكائه.
(٣)
وتنتهي مسرحية ألفريد فرج برفض حسن النساخ لواقعه الذي كان يعيشه كنساخ للكتب ومعلق عليها، ويتمسك بالحلم الذي حلمه، فقد أراد أن يستمر في البحث عن هذه الأميرة رغم أن ذلك القاضي قد أخبره أن هذه الأميرة التي حلم بها هي زمردة ابنة طومان باي وأنها ماتت منذ مائتين وخمسين سنة بإحراقها قصر الزمرد على نفسها حين علمت بقتل العثمانيين لأبيها طومان باي واحتلالهم مصر.ويمكن أن يستشف من هذه النهاية بهذه المسرحية أن بعض الأحلام تكون – لبعض الأشخاص – أبهج من الواقع، لا سيما لو كان هذا الواقع فيه ما يستدعي المعاناة والألم؛ فيكون الهروب للحلم من ذلك الواقع مصدر بهجة لمن يفعلون ذلك.ولكن حسن في هذه المسرحية لم يكن في معاناة تستدعي منه ذلك الهروب من الواقع بالتمسك بالحلم الذي حلمه، فقد أنقذه صاحبه علي الكتبي من المحنة التي مر بها، وكان يمكنه مواصلة حياته بالكفاح ضد العثمانيين بقلمه، كما كان يفعل ذلك من قبل، ولكن استسلامه لذلك الحلم، ورغبته في مواصلة التعايش معه ورفض الواقع – يعد كل هذا غير مبرر في هذه المسرحية.أما مسرحية فتحي فضل فانتهت نهاية مختلفة، فبعد أن اكتشف الشاب القروي الذكي فيها محاولة خداع هذه الأميرة له صمم على أن يحرجها بمواجهتها مرة أخرى في قصرها؛ ليظهر عجزها أمام ذكائه، وقرر أيضا ألا يتزوجها رفضا لسلوكها المخادع، ورفضا للمدينة التي تعيش فيها، وقد رأى أن كثيرا من أهلها ليسوا في نقاء أهل قريته التي جاء منها لهذه المدينة التي بهرته بمبانيها وحدائقها حينا من الوقت، ثم رفضها لتلك السلوكيات التي رآها من أميرة هذه البلاد ومن أكثر من تعامل معهم فيها، وينتهي الأمر بهذا الشاب بترك هذه الأميرة بعد انتصاره عليها وعودته لقريته رمز النقاء والصفاء.وبهذا نرى أن هذا الشاب قد فعل عكس حسن النساخ في مسرحية ألفريد فرج، فهو قد رفض هذه الأميرة، وسعى للبعد عنها بعودته للقرية، بخلاف حسن الذي تمسك بالحلم في البحث عن هذه الأميرة التي حلم بها، وذلك رغم استحالة وصوله إليها؛ لأنها كانت قد ماتت منذ مائتين وخمسين عاما، كما ذكرت هذا من قبل.ويستشف من نهاية مسرحية فتحي فضل رفض الخيال الذي يكذبه الواقع، فقد تصور بطلها الشاب المدينة بعد وصوله إليها على أنها جميلة في كل شيء، وتصور أن تلك الأميرة تحوي جمال الخلق كما لها جمال الشكل؛ ولهذا تعلق بها، وسعى لإفحامها بألغازه؛ ليتيسر له الزواج منها، ولكنه حين اكتشف سوء خلقها وسوء خلق أكثر أهل المدينة رفض تلك الأميرة ورفض تلك المدينة، وارتد لقريته، ولحياته الآمنة الهادئة فيها.

