اسامة عسل يكتب عن فيلم امرأة مجهولة،والاسد الذهبي في فينيسيا.

💥 «امرأة مجهولة» تهز عرش «الأسد الذهبي»فينيسيا تنتصر على الخوف وتختار سينما المواجهة«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل لم تكن جوائز الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي مجرد احتفاء بأفضل الأفلام التي تنافست على الأسد الذهبي، بل بدت في كثير من اختياراتها محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين السينما والسلطة والذاكرة والمرأة. ففي عام شهد حضوراً سياسياً لافتاً، ومشاركة محدودة للمخرجات النساء في المسابقة الرسمية، ذهبت الجائزة الكبرى إلى فيلم نسائي يقارب تاريخاً أوروبياً مسكوتاً عنه، بينما منحت الجوائز الأخرى مساحة لأفلام تتساءل عن الأخلاق، والحرب، والعبقرية، والثمن الإنساني للطموح.وكان فيلم «امرأة مجهولة» (Woman Unknown) للمخرجة الدنماركية ـ المصرية مي الطوخي هو الفائز الأكبر، بحصوله على الأسد الذهبي، فيما نالت بطلته ماتيلد أرسيل جائزة أفضل ممثلة. وفي المقابل، حصل الفيلم الوثائقي السياسي «نازا» على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، بينما ذهب الأسد الفضي ـ الجائزة الكبرى للجنة التحكيم ـ إلى المخرج الكوري الجنوبي لي تشانغ-دونغ عن فيلم «حب محتمل».بهذه النتيجة، قدمت لجنة التحكيم برئاسة المخرجة والممثلة الأمريكية ماغي جيلنهال قائمة جوائز لا تبحث عن فيلم واحد يهيمن على المشهد، بقدر ما توزع اهتمامها على أعمال مختلفة في الشكل، لكنها تشترك في تفكيك العالم من حولها، حيث لا تبدو الحرب والطبقة والنوع الاجتماعي والمؤسسات مجرد خلفيات درامية، بل قوى فاعلة تحدد مصائر الشخصيات وتدفعها إلى مواجهة أكثر أسئلتها قسوة، كيف يبقى الإنسان حراً داخل عالم يصنع خياراته مسبقاً؟.** امرأة في قلب التاريخيمثل فوز «امرأة مجهولة» لحظة مهمة في مسيرة مي الطوخي، ليس فقط لأنه يمنحها أعلى جائزة في أحد أعرق مهرجانات العالم، بل لأنه يأتي في دورة كانت فيها مشاركة المخرجات في المسابقة الرسمية محدودة للغاية. وكان الفيلم، العمل الروائي الطويل الوحيد في المسابقة الذي أخرجته امرأة بمفردها، قبل إضافة «نازا» إلى البرنامج بوصفه فيلماً وثائقياً من إخراج مشترك.لكن قيمة الفيلم لا تختزل في خلفية مخرجته أو في رمزية الجائزة. فـ«امرأة مجهولة» يقدم معالجة درامية قاتمة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في الدنمارك، متابعاً حياة «ماري»، وهي شابة تعمل مربية ومدبرة منزل لدى أرمل ثري تستعد للزواج منه.تخفي ماري سراً من ماضيها، علاقة حميمة جمعتها بجندي ألماني خلال الاحتلال النازي، ومع اقتراب زواجها، يعود الماضي ليهدد المكانة الاجتماعية التي تحاول بناءها داخل مجتمع خرج لتوه من الحرب، لكنه لم يتخلص من رغبة الانتقام ولا من ازدواجية المعايير.وتكمن قوة الفيلم، في أنه لا يكتفي بتحويل قصة ماري إلى حكاية عن الخزي الشخصي، بل يضعها داخل منظومة اجتماعية كاملة استخدمت أجساد النساء وسمعتهن لتصفية حسابات سياسية وأخلاقية بعد الحرب. فالنساء اللواتي اتُهمن بالتعاون مع الجنود الألمان تعرضن للتشهير العلني، بينما ظل الرجال الذين استفادوا من الاحتلال أقل عرضة للمحاسبة.ومن هنا، يتحول الفيلم من دراما تاريخية إلى سؤال معاصر عن العدالة الانتقائية، من يدفع ثمن الخيانة؟، ومن يملك حق كتابة التاريخ؟، وهل يمكن للمرأة أن تنجو من الماضي إذا كان المجتمع مصمماً على إبقائها أسيرة له؟.** الأسد لا يكتفي بالماضيتأتي جائزة «امرأة مجهولة» في سياق أوسع من مجرد استعادة فترة تاريخية. فالفيلم يضع المرأة في مركز سردية تتعلق بالسلطة الاجتماعية والجسد والذاكرة، وهي ثيمات كانت حاضرة بقوة في خطاب ماغي جيلنهال خلال المهرجان.قبل إعلان الجوائز، تحدثت رئيسة لجنة التحكيم عن استمرار ما وصفته بـ«عبادة العبقرية الذكورية» في صناعة السينما، معتبرة أن النساء لا يحصلن على الاعتراف نفسه الذي يحظى به الرجال عندما يتعلق الأمر بالموهبة والرؤية الفنية.لذلك، يبدو اختيار فيلم الطوخي متسقاً مع هذا النقاش، لكنه لا يتحول إلى جائزة رمزية أو سياسية فقط. فالفيلم، يعتمد على بناء تشويقي متوتر، يستعير بعض ملامح أفلام هيتشكوك ودافني دو مورييه، ويستخدم الخوف من انكشاف السر كأداة لفحص الطبقات الاجتماعية والنفاق الأخلاقي.وتؤكد جائزة ماتيلد أرسيل لأفضل ممثلة هذا التوجه، إذ تحمل الشخصية الرئيسية الفيلم بأكمله تقريباً، وتنتقل من موقع الضحية إلى شخصية أكثر تعقيداً، قادرة على المناورة والمقاومة، حتى لو تطلب الأمر التخلي عن صورة البراءة التي يفرضها المجتمع.** «نازا».. السياسة تدخل القاعةوإذا كان «امرأة مجهولة» يعيد فتح جرح تاريخي، فإن «نازا» يواجه جرحاً معاصراً لم يلتئم بعد.الفيلم الوثائقي، الذي أخرجته الإسرائيلية راشيل زور بالشراكة مع مواطنها يوفال أبراهام، حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بعد إدراجه في برنامج المسابقة الرسمية في وقت متأخر. ويقدم العمل شهادات ومقابلات مع أشخاص مرتبطين بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في محاولة لكشف الآليات التي تحكم الحرب في غزة وما يصفه الفيلم باستهداف ممنهج للمدنيين الفلسطينيين.لم يكن «نازا» مجرد فيلم إضافي إلى قائمة المسابقة. فقد تحول عرضه إلى واحدة من أكثر لحظات الدورة إثارة للنقاش، خصوصاً بعد حصوله على تصفيق حار استمر 25 دقيقة، في واحدة من أطول الاستقبالات الجماهيرية المسجلة في تاريخ المهرجان.وتتجاوز أهمية الجائزة حدود التكريم الفني، لأن الفيلم يضع مؤسسة مهرجان دولية أمام سؤال صعب.. هل تستطيع السينما أن تكون مساحة للمساءلة السياسية في لحظة تتجنب فيها المؤسسات الثقافية اتخاذ مواقف واضحة تجاه الحروب الجارية؟.اختيار «نازا» لجائزة لجنة التحكيم الخاصة يمنحه اعترافاً مؤسسياً، لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود الجوائز أمام فيلم يحمل قضية سياسية مباشرة. فالفيلم الوثائقي لم يفز بالأسد الذهبي، رغم أن حضوره النقدي والجماهيري كان من الأكثر صخباً خلال الدورة.** لي تشانغ-دونغ يعود بقوةبعد ثمانية أعوام من فيلمه السابق «احتراق» (Burning)، عاد لي تشانغ-دونغ إلى المنافسة الدولية بفيلم «حب محتمل» (Possible Love)، حاصداً الأسد الفضي، الجائزة الكبرى للجنة التحكيم.هذه العودة ليست حدثاً عادياً في مسيرة أحد أبرز المخرجين الكوريين المعاصرين. فلي تشانغ-دونغ، المعروف بأفلامه التي تتقاطع فيها الطبقات الاجتماعية مع الأزمات النفسية والأخلاقية، يقدم في عمله الجديد حكاية عن زوجين يفقدان وظيفتيهما، وتتغير علاقتهما بالعالم وببعضهما تحت ضغط الظروف.الفيلم، الذي أشادت به لجنة فيبريسي أيضاً ومنحته جائزتها، يطرح أسئلة حول العمل والطبقية وخيبة الأمل والرغبة وأخلاقيات السرد القصصي، ويكشف ما وصفته اللجنة بديناميكيات القوة الدقيقة على مستويات متعددة، إلى جانب إيقاع سردي متماسك وتدفق درامي بارع.ويبدو أن اختيار «حب محتمل» للجائزة الكبرى يعكس تقديراً لسينما أكثر هدوءاً وتأملاً، لا تعتمد على الصدمة السياسية المباشرة، بل على تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل. فالفيلم يواصل تقليد لي تشانغ-دونغ في النظر إلى الأفراد بوصفهم نتاجاً لظروف اجتماعية واقتصادية أكبر من قدرتهم على السيطرة.كما أن فوزه يعزز حضور السينما الكورية في فينيسيا، ويؤكد أن المهرجان لا يزال يحتفظ بمساحة للأفلام التي تراهن على البناء الدرامي والفكرة الإنسانية، بعيداً عن الحسابات التجارية وحدها.** «داو».. عبقرية تحت الاختبارمن جهته، حصل إيليا خرزانوفسكي على جائزة الأسد الفضي لأفضل مخرج عن فيلم «داو» (DAU)، أحدث أجزاء مشروعه السينمائي متعدد الأشكال الذي استغرق سنوات طويلة في التطوير والتنفيذ.ينتمي الفيلم إلى مشروع فني ضخم يعيد بناء الحياة السوفيتية من خلال تجربة سينمائية غامرة، ويتناول هذه المرة شخصية عالم الفيزياء ليف لانداو، الذي عاش بين العبقرية العلمية والتوترات السياسية والأخلاقية للنظام السوفيتي.ويمثل هذا الجزء عودة إلى البنية السينمائية الأكثر تقليدية مقارنة ببعض الأعمال السابقة للمشروع، لكنه يحتفظ بالهوس البصري والفكري نفسه، ويطرح شخصية العالم بوصفها تجسيداً للتناقض بين العبقرية الفردية والمؤسسة السياسية التي تريد إخضاعها.ويكتسب فوز خرزانوفسكي دلالة إضافية في ضوء الجوائز الأخرى، إذ يبدو أن لجنة التحكيم كانت مهتمة بالأفلام التي تبحث في علاقة الفرد بالمؤسسات الكبرى، سواء كانت مؤسسة الدولة أو الأسرة أو الجيش أو سوق العمل.** مالكوفيتش.. أفضل ممثلذهبت جائزة كوبا فولبي لأفضل ممثل إلى الأمريكي جون مالكوفيتش عن أدائه في فيلم «الحصان البري التاسع» (Wild Horse Nine) للمخرج مارتن ماكدونا.الفيلم، الذي يجمع بين الكوميديا السوداء والسياسة، يتابع عميلين في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يسافران إلى جزيرة القيامة قبيل الانقلاب العسكري في تشيلي عام 1973، في قصة تمزج العبث السياسي بالتوتر التاريخي.وقد حظي العمل بتصفيق حار استمر أكثر من عشر دقائق عند عرضه الأول، فيما اعتُبر أداء مالكوفيتش وسام روكويل من أبرز عناصر الفيلم.بالنسبة لماكدونا، يمثل الفيلم استمراراً لعلاقته بالمهرجان بعد عرض «ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبينغ، ميزوري» و«حوريات إنيشيرين»، وهما العملان اللذان حصدا جوائز سابقة في فينيسيا، بينها جوائز السيناريو والتمثيل.وتبدو جائزة مالكوفيتش تقديراً لقدرته على تجسيد التناقض الذي يقوم عليه فيلم ماكدونا؛ إذ يوازن بين السخرية والتهديد، وبين العبث السياسي والقلق الإنساني. كما تعيد الجائزة الممثل المخضرم إلى دائرة المنافسة بقوة، وتمنحه زخماً مبكراً قد يتحول إلى ترشيح مهم في سباق الأوسكار المقبل.** السيناريو.. أزمة الإنسان المعاصروحصل فيلم «جندي صغير جيد» (A Good Little Soldier) للمخرج ستيفان بريزيه على جائزة أفضل سيناريو، في اختيار يعكس اهتماماً آخر لدى لجنة التحكيم.. الإنسان الذي يجد نفسه محاصراً داخل منظومات العمل والنجاح والامتثال.تدور أحداث الفيلم حول «كلارا»، مديرة تنفيذية تبلغ 43 عاماً، تبدو ناجحة ومتماسكة من الخارج، لكنها تعاني هشاشة داخلية نتيجة سنوات من التضحية بحياتها العائلية لصالح مسيرتها المهنية.وعندما تتولى إدارة قسم الموارد البشرية في شركة كبرى، تجد نفسها مطالبة بتحقيق رفاهية الموظفين، بالتوازي مع الالتزام بأهداف الأداء التي يفرضها رئيسها. لكن اكتشافها لأساليب إدارة سامة يضعها أمام تناقض أخلاقي ومهني يهدد بدفعها إلى الانهيار.اختيار الفيلم لجائزة السيناريو يؤكد أن فينيسيا لم تنحاز فقط إلى الأفلام ذات الموضوعات التاريخية أو السياسية، بل منحت أيضاً اهتماماً للأزمات اليومية التي تكشف طبيعة العالم المعاصر.. العمل بوصفه مساحة للسلطة، والنجاح بوصفه عبئاً، والمؤسسات بوصفها أنظمة قادرة على استنزاف الفرد باسم الكفاءة.** جوائز التمثيل.. الجسد في مواجهة العالمإلى جانب ماتيلد أرسيل وجون مالكوفيتش، حصدت مالو خبيزي جائزة مارتشيلو ماستروياني لأفضل ممثل أو ممثلة شاب/شابة عن دورها في فيلم «15/18 (مكان للشفاء)» للمخرج سيدريك كان.يتابع الفيلم حياة مراهقتين فرنسيتين داخل جناح للطب النفسي في مستشفى عام، ويقترب من تجربتهما بعيداً عن الصورة النمطية للمرض النفسي، مركزاً على هشاشة العمر، والعلاقات، والحاجة إلى النجاة.وتكشف هذه الجائزة عن اهتمام واضح لدى المهرجان بأداء الممثلين الشباب، خصوصاً عندما يتحول الأداء إلى وسيلة لفهم شخصيات تعيش على هامش المجتمع أو في مواجهة مؤسسات لا تمنحها دائماً فرصة التعبير عن نفسها.** قائمة تعكس فينيسيا الجديدةفي المحصلة، تبدو جوائز الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا أقرب إلى خريطة للأفلام التي تعاملت مع السلطة بأشكال مختلفة.«امرأة مجهولة» يواجه سلطة الذاكرة والعار الاجتماعي، «نازا» يضع الحرب والمؤسسة العسكرية أمام المساءلة، «حب محتمل» يفكك السلطة داخل العلاقات والطبقات، «داو» يتأمل عبقرية الفرد في مواجهة الدولة، بينما يضع «جندي صغير جيد» الإنسان داخل منظومة اقتصادية تستنزف حياته باسم النجاح.ورغم أن بعض الاختيارات قد تثير جدلاً بين النقاد والجمهور، فإن القائمة النهائية تكشف رغبة فينيسيا في الحفاظ على موقعه كمنصة للسينما التي لا تكتفي بإرضاء العين، بل تطالب المشاهد بموقف فكري وأخلاقي.في النهاية، لم يكن الأسد الذهبي هذا العام مجرد جائزة لفيلم عن امرأة تخفي سراً. لقد كان اعترافاً بسينما ترى أن الماضي لم ينتهِ، وأن الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك، وأن أكثر القصص تأثيراً ليست بالضرورة تلك التي تصرخ بأعلى صوت، بل تلك التي تكشف بهدوء كيف تصنع المجتمعات ضحاياها، وكيف تحاول السينما أن تمنحهم أخيراً فرصة للكلام. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم