يعمل جابور ماتيه المعالج النفسي، على الحالات بوصفها ذات تحمل ندبات وصراعات نفسية خاصة.

في تقديري، يمثل جابور ماتيه نموذجًا للمعالج الذي لا يتخفى وراء وهم الموضوعية المطلقة، بل يدرك أن الذات المحلِّلة لا تدخل العملية العلاجية بوصفها جهازًا محايدًا، وإنما بوصفها ذاتًا لها تاريخها الخاص، وجراحها، وصراعاتها النفسية التي خضعت هي الأخرى لعمل التحليل والتفكير..إنه لا يبني سلطته العلاجية على ادعاء الكمال، بل على قدرته على الاعتراف بنقصه الشخصي.. وهذا الاعتراف ليس ضعفًا، بل هو ما يسمح للقاء العلاجي بأن يكون لقاءً بين ذاتين، لا بين خبير يمتلك الحقيقة وذات يُراد إصلاحها.. فالعلاقة العلاجية، في جوهرها، لا تقوم على حياد عاطفي بارد، وإنما على حضور نفسي قادر على احتواء التجربة الانفعالية للمريض دون أن يبتلعها أو يتورط فيها..وأكثر ما يلفتني في رؤيته للصدمة هو انتقاله من منطق الحدث إلى منطق الأثر النفسي.. فالحدث الخارجي لا يكتسب قيمته الصدمية في ذاته، وإنما في الطريقة التي جرى بها تسجيله داخل الجهاز النفسي..فالصدمة ليست الواقعة، بل فشل الجهاز النفسي في تحويل التجربة إلى تمثيل قابل للتفكير والربط.. وما يعجز عن التمثل يعود لاحقًا في هيئة أعراض، أو تكرارات قهرية، أو اضطرابات في الجسد والعلاقات..ولهذا لا يصبح السؤال: “ماذا حدث؟” بل: “كيف عاش الطفل ما حدث؟ وكيف نُقشت تلك التجربة في لاشعوره؟”فالطفل الذي ينمو داخل بيئة يغيب عنها الاحتواء العاطفي، حتى في غياب العنف الظاهر، قد يعجز عن بناء موضوع داخلي مطمئن.. وحين يفشل الآخر الأول في أداء وظيفة الاحتواء، يضطر الجهاز النفسي إلى ابتكار دفاعاته الخاصة، فيتشكل نمط من الوجود يقوم على فرط اليقظة، أو الانسحاب، أو التكيف المرضي مع رغبات الآخر..ومن هذا المنطلق أيضًا يقرأ ماتيه الإدمان.. فهو لا يتعامل معه كخلل أخلاقي أو ضعف في الإرادة، بل كحلٍّ نفسي مؤقت ابتكرته الذات لتنظيم فائض من الألم لم يجد طريقه إلى التمثيل الرمزي.. فالموضوع الإدماني ليس هدفًا في ذاته، بل موضوعًا بديلًا يحاول سد فجوة أحدثها فقدان أو نقص أكثر أصالة..إن ما يبحث عنه المدمن ليس المادة بحد ذاتها، بل التعديل اللحظي لاقتصاده النفسي، والهروب من حالة داخلية لا يستطيع جهازه النفسي احتواءها.. ولهذا يمكن أن تتغير موضوعات الإدمان بينما تبقى البنية النفسية التي تنتجها ثابتة، فالمادة، أو الطعام، أو الجنس، أو العمل، أو الشاشة، قد تؤدي جميعها الوظيفة الدفاعية نفسها: تخدير الألم، أو إسكات الفراغ، أو تعليق القلق..ولا يكتفي ماتيه بفهم الفرد معزولًا عن سياقه، بل يلفت الانتباه إلى أن الثقافة نفسها تشارك في تشكيل الأعراض..فالمجتمع لا يفرض على الفرد أنماطًا من السلوك فقط، بل يشارك في تكوين مثاله الأعلى، وفي تحديد معايير القيمة والاستحقاق والنجاح.. وحين يصبح الاعتراف مرهونًا بالأداء، ويتراجع الحضور العاطفي أمام متطلبات الإنجاز، يصبح المجتمع نفسه منتجًا لأشكال جديدة من الاغتراب النفسي..ولهذا يلتقي عمله مع إحدى الأفكار المركزية في التحليل النفسي، أن العرض ليس عدوًا يجب القضاء عليه، بل لغة ينبغي الإصغاء إليها.. فكل عرض يحمل تاريخًا، وكل دفاع كان، في لحظة من لحظات الحياة، أفضل حل استطاعت الذات أن تبتكره لحماية نفسها من انهيار أكبر..وربما لهذا السبب تبدو رؤيته للإنسان شديدة الإنسانية، لأنها ترفض اختزال الفرد في تشخيصه، أو في عرضه، أو في أكثر لحظاته هشاشة.. فالتحليل النفسي يذكرنا دائمًا بأننا لا نصادف أعراضًا فحسب، بل نصادف ذواتًا تحمل تاريخًا كاملاً من العلاقات، والفقد، والرغبات، والدفاعات..وحين يتسع فهمنا لبنية الذات وتاريخها، تتراجع الحاجة إلى إصدار الأحكام، لأننا ندرك أن ما يبدو اليوم عرضًا أو انحرافًا أو إدمانًا، قد يكون في الأصل محاولة يائسة قام بها الجهاز النفسي كي يضمن استمرار الحياة.. ولذلك فإن الفهم لا يُلغي المسؤولية، لكنه يسبقها، لأن الإصغاء إلى المعنى هو دائمًا الخطوة الأولى في أي عمل علاجي حقيقي..

#المعالج النفسي#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم