في رواية «أولاد حرام» للأستاذ محمد الدباسي
محمد الدباسي
هل يُعاقَب الإنسان على ذنب لم يرتكبه؟
منذ الصفحات الأولى يضع الكاتب قارئه أمام هذا السؤال عبر مونولوغ داخلي كثيف، تتوالى فيه الأسئلة الوجدانية. تدور الرواية حول هذا المحور، آخذةً القارئ إلى أسئلة كونية وإنسانية شتى وتتوالد الأسئلة مع توالد الأحداث، مما يجعل الرواية سلسة في قراءتها، وعميقة في أثرها، فتتداخل مع قناعات القارئ وأفكاره، ليخرج منها بتجربة كاملة وكأنه هو من عاش تلك التجربة القاسية.
تنطلق الأحداث من وفاة المرأة التي ربت البطلة سماح وكأنها والدتها البايولوجية ، والتي تظنها سماح زوجة والدتها الأولى التي ربتها بعد وفاة أمها الزوجة الثانية لتتعرض بعد انتهاء العزاء مباشرة لصدمة الطرد من المنزل بعد أن باعه إخوتها، فتجد نفسها في مواجهة حقيقة كانت غافلة عنها أمام التشرد والوحدة. ومن هذه اللحظة يبدأ التحول الحقيقي في الشخصية؛ إذ تنتقل من فتاة عاشت في كنف أسرة غنية ومستقرة ، إلى إنسانة وحيدة ومشردة، إلى أن تكتشف حقيقتها في نهاية الرواية بوصفها مجهولة النسب.
تحمل الرواية تساؤلات عن حق المواطن على الوطن في حمايته ورعايته فبالرغم أن البطلة سماح حاصلة على شهادة جامعية الا أنها اضطرت أن تبيع المناديل في الجولات لتواجه مصير قاسي فلم تسلم من التحرش ولا من الاغتصاب فتتغير حياتها كلية وتجد نفسها أمام واقع مرير وأليم لتعيد تجربتها لكن مع روح أخرى.
تطرح الرواية سؤالًا عن العدالة الإنسانية، وكيف يمكن أن يُحاصر الإنسان بالأحكام والتهم بسبب أصل لا يد له فيه. ومن هنا تتجاوز الرواية خصوصية القضية لتلامس معنى أعمق، يتعلق بحق الإنسان في الكرامة، وبحقه في أن يُقاس بأفعاله لا بظروف ميلاده.
يوصف الأدب بقدرته على التأثير، وهكذا كانت رواية «أولاد حرام»؛ فلن يستطيع القارئ إلا أن يتأثر بها، ويخرج منها وهو يراقب كل من حوله، ويحاول أن يتفهم أوضاعهم وظروفهم قبل أن يصدر أحكامه عليهم.
أما عنوان «أولاد حرام»، فإنه جاء مباشرًا في التعبير عن موضوع الرواية، فكشف القضية منذ الوهلة الأولى، بينما حمل المتن السردي أبعادًا إنسانية وفلسفية أوسع من الدلالة المباشرة للعنوان. وقد جاء العنوان صادما وقويا وكأنه سؤال معاتب يضعنا جميعا أمام فوهة مدفع الاتهام هل نحن من ننعتهم بذلك أم أننا جميعا نستحق هذا الوصف كوننا بدون وطن.
فقد وضعنا محمد الدباسي في فجوة الظلم، ويسقطنا جميعًا فيها، فنحاول أن نبرر ولا نستطيع. فليس إخوة سماح وحدهم المسؤولين عن هذا الظلم، بل إن أغلبنا، بصورة أو بأخرى، يحمل هذا الذنب.
جاءت لغة الرواية واضحة وبسيطة، بعيدة عن التكلف، وهو اختيار يخدم طبيعة الموضوع، ويمنح النص انسيابية تجعل القارئ قريبًا من الشخصيات ومن معاناتها. كما حافظ السرد على تسلسل زمني خطي، مما جعل متابعة التحولات النفسية والدرامية أمرًا يسيرًا وواضحًا.
ومن أبرز ما يميز الرواية نجاح الكاتب في الموازنة بين التأمل والحدث. فعلى الرغم من كثرة الأسئلة، فإنها لم تُثقل السرد أو تعطل إيقاعه، بل جاءت متداخلة مع تطور الأحداث، حتى بدا السؤال نفسه جزءًا من البناء السردي. وقد أسهم هذا الأسلوب في إشراك القارئ في التجربة النفسية للبطلة، فصار يتأمل معها أكثر مما يراقبها من الخارج فقط.
ومن الناحية الفنية، جاءت الرواية أحادية الصوت؛ فالراوي العليم هو البطلة، وهي المهيمنة على السرد، وهي التي كتبت الرواية وقررت مسارها، مما يقلل من التعدد الصوتي الذي يُعد من سمات الرواية الحديثة. غير أن ذلك يبدو طبيعيًا؛ لأن الرواية تقوم على كتابة البطلة لسيرتها الذاتية في صورة اعترافات في مونولوغ خطي طويل. ومع ذلك، لعبت شخصيات عديدة دورًا محوريًا في تطور الأحداث، مثل سلمى، والعم حسن الذي يتضح فيما بعد أنه الضابط محمود الذي كان سببا في كل أحداث ومحدثات الرواية.
وتحمل النهاية دلالة لافتة؛ فعندما تعثر البطلة على دفتر، وتبدأ بكتابة روايتها، تتحول الكتابة وكل تلك التساؤلات إلى احتجاج ورفض لمجتمع يقبل بالظلم ويمارسه، وكأن الكتابة و السرد وسيلة لرفض الظلم ولاسترداد الصوت الذي حاول المجتمع مصادرته. وهي نهاية تعيد القارئ إلى بداية الرواية.
في مجملها، تقدم رواية «أولاد حرام» للكاتب محمد الدباسي نصا ينحاز إلى الإنسان في مواجهة الأحكام المسبقة، ويدعو إلى إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية التي تدين الأفراد بسبب ظروف لم يختاروها. وقد استطاع محمد الدباسي أن يطرح هذه الفكرة بلغة سلسة، وسرد متوازن، ورؤية إنسانية تجعل الرواية أقرب إلى مساءلة للضمير الجمعي منها إلى مجرد حكاية عن مجهولي النسب.

