أغنية الدلعونا.. حين كانت الطيور تحمل رسائل العاشقين.
في ديوان الريف الساحلي السوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
الجزء الثاني
“””””””””””””””””
قبل أن تعرف البشرية صناديق البريد وقبل أن تعبر الرسائل البحار في المراكب والقطارات كانت القلوب في ريفنا الساحلي تعرف طريقها إلى بعضها بعضًا. لم تكن الرسائل تُكتب بالحبر بل تُغنّى. ولم تكن الأختام من الشمع بل من نبض القلب. وكانت الدلعونا هي ساعي البريد الذي لا يخطئ العنوان.
كلما ارتفع صوت شاب في الحقل:
على الدلعونا.. على الدلعونا..
كانت الريح تحمل المعنى إلى التلة المقابلة وكانت فتاةٌ تبتسم في سرها لأنها وحدها تعرف أن هذا البيت لم يُغنَّ للناس جميعًا بل كُتب لها وحدها. هكذا كانت الأغنية رسائل على أجنحة الطيور لا تراها العيون لكن القلوب كانت تقرؤها دون عناء.
في ريف الساحل السوري لم تولد الدلعونا في قصور الأمراء ولا في دواوين الشعراء بل خرجت من رحم الأرض من تراب الحقول ومن حجارة البيوت ومن ينابيع الماء ومن ظلال السنديان والزيتون ومن تعب الفلاحين الذي كان يتحول كل مساء، إلى غناء.
ولذلك لم تكن الدلعونا أغنيةً تُؤدَّى، بل حياةً تُعاش.
كانت ترافق الرجال وهم يرفعون حجارة البيوت وكأن اللحن يخفف ثقل الصخر عن الأكتاف. وكانت تمشي مع النساء في مواسم القطاف فتغدو السلال أخف والنهار أقصر والتعب أقل وطأة. وكانت ترافق الرعاة فوق التلال فترد عليهم الوديان بصدى يشبه دعاءً قديماً ما زال عالقًا بين السماء والأرض.
ولعل أجمل ما في الدلعونا أنها لم تعرف المنابر بل عرفت الدوائر. دائرة الدبكة، ودائرة السهرة، ودائرة الحصاد ودائرة المحبة. هناك حيث تتشابك الأيدي وتتوحد الخطوات على إيقاع الطبل ويشق الزمر طريقه في الهواء كأنه نايٌ رعوي خرج لتوه من أسطورة قديمة.
ولم يكن أحد يسأل: من هو شاعر الدلعونا؟
لأن الشاعر كان الناس جميعًا.
كل بيتٍ جديد كان يولد من موقف أو من نظرة أو من عتاب أو من شوق ثم يمضي مع الريح فإذا أعجب الناس صار ملكًا لهم وإذا لامس وجدانهم بقي حيًا على ألسنتهم عشرات السنين. وهكذا تحولت الدلعونا إلى ديوانٍ مفتوح. يكتب فيه الجميع ولا يوقعه أحد.
وفي حواريات الدلعونا كانت البلاغة ابنة الفطرة. يتقدم شاب ببيتٍ فيه تلميح فتجيبه فتاة ببيتٍ أذكى وأرق. يضحك الجمع ويصفق الشيوخ وتبتسم الأمهات لأن الجميع يدرك أن الحوار لا يدور بين شخصين فقط بل بين قلبين يحاول كل منهما أن يقول ما تعجز عنه اللغة المباشرة.
ولذلك بقيت الدلعونا مدرسةً في الذوق قبل أن تكون مدرسةً في الغناء.
وحين أستمع إليها اليوم لا أسمع مجرد لحنٍ شعبي بل أسمع وقع أقدام الذين مروا من هنا وأسمع خشخشة سنابل القمح وارتطام المعاول بالحجارة وهديل الحمام فوق السقوف القرميدية ورائحة خبز التنور وهي تخرج مع الفجر من بيوت الطين والحجر.
أشعر أن أوغاريت تلك التي علّمت العالم الأبجدية ما زالت تهمس من بعيد بأن الشعوب لا تحفظ ذاكرتها بالكتابة وحدها بل تحفظها أيضًا بالأغنية. فربما كانت الدلعونا في معناها العميق صفحةً أخرى من كتابٍ لم يُكتب بالحروف وإنما كُتب بالوجدان.
ولهذا أقول دائمًا:
إذا أردت أن تعرف أخلاق الريف الساحلي السوري فلا تبحث عنها في السجلات الرسمية بل اجلس في سهرةٍ قروية وانتظر حتى يبدأ أحدهم:
على الدلعونا.. على الدلعونا..
عندها ستسمع التاريخ وهو يبتسم وسترى الذاكرة وهي ترقص وستدرك أن الأغنيات الشعبية ليست لهوًا عابرًا بل حضارةٌ كاملة اختارت أن تحفظ نفسها في اللحن لأن اللحن أطول عمرًا من الورق وأبقى من الحجر.
وهكذا ستبقى الدلعونا..
حمامةً بيضاء تحمل رسائل العاشقين ودفترًا مفتوحًا لذاكرة الفلاحين وصوتًا لا يشيخ ما دامت في الساحل السوري أمٌّ تغني لطفلها وفلاحٌ يعود من حقله وشابٌ يكتب أول رسالة حب.. دون أن يمسك قلمًا..
عاشق اوغاريت..غسان القيم.
تصميم الفيديو بالذكاء الاصطناعي المهندس Ali TF
معرض الصور:

















