نمط الشخص البخيل بين مسرحية البخيل لموليير ومسرحية الحب العذري لتوفيق الحكيم

بقلم د علي خليفة

(١)
بداية لا بد أن نقول: إن موليير هو أهم كاتب مسرح كوميدي عرفه العالم عبر العصور المختلفة، كما أن مسرحية البخيل لموليير من أشهر مسرحياته وأروعها إن لم تكن أشهرها وأروعها، ويضاف لهذا أن أرباجون البخيل فيها هو أشهر شخصية بخيل في الأدب العالمي.
ولهذا فإنني لم أقصد بمقارنة شخصية البخيل في مسرحية البخيل لموليير مع شخصية البخيل في مسرحية الحب العذري لتوفيق الحكيم وضع هذين الكاتبين في مكانة واحدة، أو وضع مسرحيتيهما في منزلة واحدة، فلا شك أن مكانة موليير العالمية أعلى بكثير من مكانة توفيق الحكيم، كما أن مسرحية البخيل لموليير – وهي إحدى درر المسرح العالمي – أروع بكثير من مسرحية الحب العذري لتوفيق الحكيم، وإن كان هذا لا يمنع – في الوقت نفسه – من الإشادة بمكانة توفيق الحكيم الكبيرة بين كتاب المسرح المصري والعربي، وأن بعض مسرحياته تستحق صفة العالمية، كمسرحية السلطان الحائر، كما أن مسرحيته الحب العذري من أروع مسرحيات الفصل الواحد التي كتبها.
والذي قصدته هنا أن أقارن بين نمط البخيل في كل من مسرحية البخيل لموليير ومسرحية الحب العذري لتوفيق الحكيم، وذكر أوجه التشابه والاختلاف بينهما، وأثر كل شخصية منهما على الأحداث في المسرحية التي تواجدت فيها.
(٢)
ومن أجه التشابه بين أرباحون البخيل في مسرحية البخيل لموليير، وعبد الغني بك البخيل في مسرحية الحب العذري لتوفيق الحكيم أن كل واحد منهما شديد البخل رغم ثرائه الكبير، وكل واحد منهما أيضا شديد التقتير على كل من حوله، لا سيما على خدمه، بل إنهما أيضا شديدا البخل على نفسيهما في كل شيء، بما في ذلك في المأكل والملبس.
ويتشابهان أيضا في حبهما لجمع المال وعدم الإنفاق منه إلا لضرورة قصوى، وهما يجدان متعة كبيرة في النظر لمالهما، وحين يستشعران رغبة أي أحد في النيل منه يهاجمانه أشد الهجوم؛ ولهذا رأينا أرباحون كثير النظر لبعض النقود التي خبأها داخل صندوق وضعه في مكان بحديقة بيته، وحين سرقت منه اتهم كل من حوله – بما فيهم الجمهور الذي يشاهد عرضه المسرحي – بأنهم سرقوه ويجب تفتيشهم، وكان مستعدا أن يفرط في أي شيء في سبيل عودة هذا المال إليه؛ ولهذا تخلى لابنه كليانت عن الفتاة التي كان متمسكا بالزواج منها وينافسه فيها ابنه هذا؛ حتى يسترد ذلك المال الذي سرق منه.
أما عبد الغني بك فإنه حين علم أن بعض الأعضاء في أحد الأحزاب السياسية في مصر – قبل ثورة ٢٣ بوليو – قد عرضوا عليه أن يكون أمين صندوق هذا الحزب في مقابل أن يبنوا على أرض له مبنى للحزب – رفض تماما الانضمام لحزبهم؛ لأن ماله وأراضيه أعز عنده من أي شيء، ولا يفرط فيهما أبدا.
وأيضا اتصف كلا هذين البخيلين بتقتيرهما الشديد على خدمهما، حتى بدوا بسوء حال في هاتين المسرحيتين، وكان هؤلاء الخدم يحاولون أن يحتالوا ببعض الحيل للحصول على بعض الأموال القليلة من هذين البخيلين، وقلما كانا ينجحان في ذلك، وقد كان عند أرباحون عدة خدم، أما عبد الغني بك فلم يكن عنده غير خادم واحد هو بسطويسي، وهذا الخادم تحمل تقتير عبد الغني بك الشديد عليه دونا عن أي خدم آخرين لم يحتملوا أسلوبه الشديد في البخل؛ لأنه أوهمه أنه جعله ضمن وصيته التي ستنفذ بعد موته.
كما يتشابه هذان البخيلان في أنهما يسرفان في إسباغ عبارات المديح لمن يقدم لهما أي معروف أو لمن يضطران لاستضافته في بيتيهما، وقلما يقدمان لهما شيئا غير ذلك؛ ولهذا رأينا الخاطبة فروزين تتحايل بحيل عديدة للحصول على بعض النقود من أرباجون مقابل خدماتها في الوساطة لإتمام زواجه من الفتاة الجميلة ماريان، ولكنها لا تحصل منه إلا على بعض عبارات الاستحسان، وحتى عندما اضطر لاستضافة ماريان في بيته حاول أن يعد لها وليمة بأبخس الأثمان.
وكذلك رأينا عبد الغني بك في مسرحية الحب العذري، فهو يأمر خادمه بسطويسي بعدم إحضار أي طعام أو شراب لأي ضيف يفاجئه بالحضور لبيته، ويوصيه بأن يتغافل عن إحضار القهوة لأي ضيف يأتيه، حتى لو طلب إليه هو نفسه – أي عبد الغني بك – إحضار القهوة له.
ويتفق هذان البخيلان أيضا في كثرة الأخبار التي تروى عنهما بين الناس عن بخلهما، وإن كان أرباجون تروى عنه في هذا الأمر نوادر وقصص غريبة كثيرة عن شدة بخله على أولاده وخدمه وضيوفه، وأيضا خيوله التي أصابها الهزال الشديد بسبب سوء تغذيته لها.
وأخيرا فإنهما يتفقان أيضا في قناعة كل واحد منهما في صواب عملهما بالبخل الشديد، ويريان أن من يخالفهما في التوسع في الإنفاق ليس على جادة الصواب، كما أنهما لا يشعران بأي ضيق من سلوكهما في البخل، ويدافعان عن ذلك السلوك دفاعا مستميتا
(٣)
أما عن جوانب الاختلاف بين هذين البخيلين فإننا نرى أرباجون – رغم بخله – لا يفتقد روح المرح، بخلاف عبد الغني بك الذي بدا أقل ظرفا منه، كما أن أرباجون عبر عن شدة بخله بجانب آخر في شخصيته المحبة لجمع المال، وهو أنه كان مرابيا فاق كل المرابين في شروطه المجحفة لإعطاء بعض المال للمقترضين منه، في حين أن عبد الغني بك لم يكن مرابيا.
واختلف عبد الغني بك عن أرباجون في أنه لشدة بخله كان يرفض أن يشاركه أحد في أمواله في حياته أو بعد مماته؛ ولهذا رفض أن يتزوج، وعندما أتى له في بيته ناهد وخالها مطالبين إياه بالاعتراف بالجنين الذي ناهد حامل فيه منه – رفض الاعتراف به، وأصر على أن علاقته بناهد لم تزد عن علاقة حب عذري؛ مما اضطر ناهد وخالها للجوء للقضاء للفصل في هذا الأمر.
أما أرباجون فإنه رغم زواجه وإنجابه ابنا وبنتا، ورغبته في الزواج مرة أخرى بعد وفاة زوجته الأولى فإن الذي يرغبه في المرأة للزواج منها قبل شبابها وجمالها هو مالها؛ ولهذا فإنه كان يصر على أن يكون لماريان – التي رغب في الزواج منها – أموال وأراض؛ حتى يتمم زواجه منها، ولم يكفه أنها شابة جميلة، وهو شيخ مسن.
(٤)
وهذه هي أوجه التشابه والاختلاف بين هذين البخيلين، وقد رأينا من خلالها أبعاد بخل كل واحد منهما، وعلاقته بمن حوله، وأثر شخصيته البخيلة على الأحداث في المسرحية التي هو موجود فيها.

أخر المقالات

منكم وإليكم