من وهج الشاشة إلى دفء الإنسانية: منى كردي..معدة ومقدمة برنامج سابق: نجوم وأضواء بالتلفزيون السوري.. – مشاركة: سمر عزيز.

نجوم وأضواء” منى كردي.. من وهج الشاشة إلى دفء الإنسانية
كانت تطلُّ بابتسامةٍ لا تشبه القارئات، وعينين تبحثان عن الضوء الأحمر للكاميرا التي لم تعتدها بعد. إنها منى كردي، ابنة حلب المولودة عام 1946، والتي حملت شغفاً مبكراً باللغات قادها إلى إجازة في الأدب الفرنسي من جامعة دمشق، لتبدأ رحلتها من إذاعة دمشق عام 1968، محررةً ومذيعةَ نشراتٍ بالفرنسية، ومعدةً لبرامج ثقافية حملت الجمهور إلى عوالم جديدة.
نشرة الحرب… يوم صمدت الشاشة بصوتها
لم تكن تدري وهي تجلس خلف ميكروفون الإذاعة أن حرب 1973 ستقذف بها أمام كاميرا التلفزيون دون سابق إنذار. كان المطلوب نشرة أخبار بالإنكليزية والفرنسية للأجانب الذين بقوا في البلد، ولم يكن هناك رفاهية التدريب. تروي بابتسامة من عاشت الخطر: “قال لي المصوّر: انظري إلى جهة الضوء الأحمر وابدئي”. كانت مسؤولية هائلة، تضاعفت حين سقطت صواريخ على مبنى التلفزيون لم تنفجر. في يوم القصف، عادت إلى منزلها بحالة يرثى لها، لكن صوت مدير الإذاعة السرية في الهاتف كان واضحاً: “لا يمكن أن نجبر أحداً.. الأمر يعود إليك”. عادت منى، وقدمت النشرة. ليس مرة، بل في الأيام التي تلتها أيضاً. هناك، وسط الخطر، صُنع جزء من أسطورتها.

“نجوم وأضواء”… حين كسرت القالب
بعد دورة تدريبية في هولندا بالتزامن مع التحول إلى البث الملون، عادت ومعها فكرة برنامج سيصبح وثيقة لذاكرة جيل بأكمله. بدأ بـ “أنغام وصور من العالم”، ثم “فلاش” بثلاث لغات، قبل أن يستقر اسماً وشكلاً: “نجوم وأضواء”، الذي استمر 11 عاماً. لم تكن مذيعة تقرأ من ورقة، بل محاورة تخرج من الاستديو إلى الشارع، ثم من سورية إلى العالم. “أردت تعريف الجمهور بعادات وثقافات مختلفة”، فتوالت اتفاقيات التصوير مع فرنسا وإيطاليا وروسيا وبلغاريا. كسرت الجمود، وجلبت العالم إلى غرف الجلوس السورية، مؤمنةً أن الحضور المدروس وقيمة المادة الإعلامية يتقدمان على أي مظهر. كانت ترى نفسها “ضيفة يومية” لا تتعامل بفوقية، قريبة مما يريده الجمهور، تعرف أن لكل إنسان همومه فلا تبالغ في الابتسامة أو المكياج.

الرحيل إلى الذات… ثم العودة المختلفة
في عام 1988، وفي أوج مجدها، أخذتها الحياة إلى إسبانيا. “التلفزيون لن يدوم.. خفت أن أصبح وحيدة.. والمجد في الإعلام ليس إلا نقطة على السطر”، هكذا بررت قراراً جريئاً ترك صدمة لدى محبيها. في الغربة، عملت مراسلةً للتلفزيونين السوري والكويتي، محاورةً رؤساء ودبلوماسيين، لكن الأهم أنها وجدت توازناً جديداً: “عندما سافرت كنت أنا فعلاً.. توقفت عن التصرف كما هو مفروض”. التحرر من قيود الصورة النمطية أعادها إلى ذاتها.

عندما عادت إلى سورية في أواخر التسعينيات، بحثت عن “عائلتها الإعلامية” فلم تجدها. لم تكن الأسماء القديمة وحدها هي الغائبة، بل روح العمل أيضاً. كانت تلك العودة نهاية المشوار الإعلامي، لكنها كانت بدايةً أجمل: فمنذ عام 1999، ارتدت ثوب المستشارة الاجتماعية في منظمة الهلال الأحمر السوري، ثم مديرة مشروع للاجئين، ثم ناطقة رسمية باسمها حتى عام 2018. تقارن بين المجدين فتقول: “المجد الذي يحققه الإعلام غير موجود في العمل الإنساني، لكن الإصغاء للآخر وفهم احتياجاته أمر مشترك.. ابتسامة لاجئ تكفي بالنسبة لي”.
بصمة في القلوب
يقول عنها المخرج الراحل أسامة الروماني الذي رافقها: “شخصية ساحرة، متمكنة، جريئة. تعلمت منها كيف أكون متواضعاً أمام الكبار.. كيف نتناول العمل بنضج”. تبقى منى كردي، بعينيها اللتين لاحقتا الضوء الأحمر في زمن الحرب، وصوتها الذي نقل أخبار القصف ثم غنّى مع النجوم، مثالاً لإعلامية جعلت من الحضور قيمة، ومن الرحيل في القمة شجاعة، ومن العمل الإنساني تتويجاً لمسيرة بدأتها بإصغاء لمستمع، وأنهتها بإصغاءٍ لإنسان.
المصدر_مدونة وطن
التحرير:#سوريات_souriat
سمر عزيز

أخر المقالات

منكم وإليكم