من برلين: عماد خالد رحمة..كتب عن نادية نواصر..حين تتحوّل الأنثى إلى قصيدة، ويصبح الشعر وطناً للروح.

نادية نواصر: حين تتحوّل الأنثى إلى قصيدة، ويصبح الشعر وطناً للروح:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

في التجربة الشعرية العربية المعاصرة، ثمّة أصوات لا تكتب القصيدة بوصفها صناعة لغوية فحسب، بل بوصفها قدراً وجودياً ونبضاً داخلياً يشبه انبثاق الماء من أعماق الأرض. ومن بين هذه الأصوات تبرز نادية نواصر بوصفها واحدةً من الشاعرات اللواتي استطعن أن يمنحن القصيدة العربية حسّاً أنثوياً مشبعاً بالرهافة والحنين والوجع والوفاء، دون أن يفقد الشعر عمقه الإنساني أو أبعاده الرمزية والوطنية.

إنّ الكتابة عند نادية نواصر ليست تمريناً بلاغياً، بل فعل حياة. فمنذ أن دخلت عالم الشعر في السابعة عشرة من عمرها، بدا وكأنها كانت تهرب من ضيق الواقع إلى رحابة اللغة، ومن صخب العالم إلى ذلك الوطن السري الذي لا يسكنه سوى الشعراء. فالقصيدة لديها ليست زينةً لغوية، وإنما شكلٌ من أشكال النجاة الروحية، وطريقة لمقاومة الخراب الداخلي الذي يتركه الزمن في النفس البشرية.

ولعلّ ما يمنح تجربتها الشعرية خصوصيتها هو ذلك الامتزاج العميق بين الأنثوي والوجداني والوطني. فهي لا تكتب المرأة باعتبارها جسداً عابراً أو كائناً رومانسياً سطحياً، بل تكتبها بوصفها ذاكرةً وملاذاً وأرضاً خصبة للحب والحياة والألم معاً. إنّ الأنثى في شعر نادية ليست “موضوعاً” للقصيدة، بل هي القصيدة ذاتها؛ امرأة تحمل هشاشتها وقوتها في آنٍ واحد، وتحوّل الحنين إلى لغة، والخذلان إلى غناء.

حين تقول:

“أنا الأنثى التي تكتب الشعر بدمها

وتغني الحب بأنفاسها”

فهي لا تكتب استعارة شعرية فحسب، بل تكشف جوهر علاقتها بالكتابة. فبعض الشعراء يكتبون بالحبر، أما الشعراء الحقيقيون فيكتبون بأعصابهم وقلقهم وخساراتهم الخفية. ولهذا يبدو شعر نادية نواصر مشبعاً بحرارة التجربة لا ببرودة الصنعة.

إنّ انتماءها إلى مدينة شطايبي الساحلية، بجمال بحرها وخضرة جبالها وانفتاحها على المتوسط، ليس تفصيلاً جغرافياً عابراً، بل عنصرٌ تكويني في حساسيتها الشعرية. فالأمكنة الجميلة لا تصنع الذكريات فقط، بل تصنع أيضاً الإيقاع الداخلي للروح. ومن يقرأ قصائدها يشعر أنّ البحر حاضرٌ في لغتها؛ في انسياب الصور، وفي التموج العاطفي، وفي ذلك الحنين الأزرق الذي يطفو بين الكلمات.

لقد استطاعت نادية نواصر أن تنقل الشعر من ضيق المباشرة إلى رحابة الإحساس، فقصائدها لا تصرخ بقدر ما تهمس، ولا تفرض معناها بالقوة، بل تتسلل إلى القارئ مثل موسيقى بعيدة توقظ ذاكرةً نائمة في الداخل. وهذا ما يمنح نصوصها تلك العذوبة المشوبة بالحزن، كأنّها أغنيات امرأة تعرف أن الحب جميل، لكنه هشّ أيضاً.

وفي عالمٍ شعري طغت عليه أحياناً المبالغة الخطابية أو الغموض المتكلّف، حافظت نادية نواصر على توازن دقيق بين البساطة والعمق. فهي تكتب بلغة قريبة من القلب، لكنها مشبعة بالإيحاء والدلالة. وهذا ما جعل تجربتها تستحق اهتمام النقاد الذين رأوا في شعرها جماليات تصويرية وبلاغة خاصة بالجسد والذاكرة والنوستالجيا.

غير أنّ البعد الأهم في شعرها يكمن في تلك النظرة الإنسانية للرجل والحب والعلاقة العاطفية. فهي لا تنظر إلى الرجل بوصفه خصماً وجودياً كما فعلت بعض الكتابات النسوية المتطرفة، بل تراه ملاذاً وامتداداً للأمان الإنساني وصورةً للحماية والحنان. إنّ الرجل في شعرها ليس سلطةً قمعية، بل كيانٌ تتقاطع فيه صورة الأب والحبيب والوطن.

وهنا تتجلّى خصوصية الحس الأنثوي لديها؛ إذ تكتب الحب بعفّة وجدانية، لا تخلو من الشغف لكنها لا تسقط في الابتذال. فالعاطفة عندها ليست استعراضاً جسدياً، بل تجربة روحية وجمالية عميقة. ولهذا تبدو قصائدها وكأنها تحاول ترميم الإنسان عبر الحنان، لا عبر الصدام.

لقد حملت نادية نواصر أيضاً همّ الوطن في كثير من نصوصها، لكن بطريقة مختلفة عن الشعر السياسي التقليدي. فهي لا ترفع الشعارات، بل تُدخل الوطن إلى القصيدة من باب الوجع الإنساني. فالوطن عندها ليس خطاباً أيديولوجياً، بل ذاكرة وحنين وألم جماعي يسكن الروح الفردية.

كما أن اشتغالها في الصحافة والعمل الثقافي منحها احتكاكاً مباشراً بالواقع الاجتماعي والفكري، وهو ما جعل تجربتها أكثر التصاقاً بالحياة اليومية للإنسان العربي، وأكثر وعياً بتحولات المجتمع والمرأة والهوية.

إنّ القيمة الحقيقية لتجربة نادية نواصر تكمن في قدرتها على الحفاظ على نقاء الحس الشعري وسط عالم يزداد خشونةً وبرودة. ففي زمنٍ تتحوّل فيه اللغة أحياناً إلى أداة ضجيج واستهلاك، بقي شعرها منحازاً إلى الإنسان الداخلي؛ إلى الحب، والوفاء، والذاكرة، والجمال، والحنين.

وهكذا تبدو نادية نواصر واحدةً من الأصوات الشعرية الجزائرية التي لم تكتب القصيدة لتُبهر القارئ فقط، بل لتمنحه شيئاً من الدفء الإنساني المفقود. إنها شاعرة جعلت من اللغة بيتاً للروح، ومن الحنين شكلاً من أشكال المقاومة، ومن الأنثى كائناً قادراً على أن يحمل الحب والوجع والوطن في قلبٍ واحد.
Nadia Nouacer

أخر المقالات

منكم وإليكم