ملاحظات لكل المصورين..في محراب تحكيم الصورة..لماذا معظم صور المسابقات تُقصى قبل أن يراها المحكِّمون..- تقديم: م. محمد مصطفى الضو.

في محراب تحكيم الصورة
معظم صور المسابقات تُقصى قبل أن يراها المحكِّمون
ما أعجب الإنسان حين يصنع في خياله من الأماني صوراً أجمل من الحقيقة، ثم يلبس الحقيقة ثوب تلك الصور، فإذا اصطدم بها يوماً وجدها شيئاً آخر غير الذي كان يتوهمه!
وما أكثر ما يقع ذلك للمصورين حين يرسلون أعمالهم إلى المسابقات الدولية الكبرى. فإن أحدهم لا يكاد يضغط زر الإرسال حتى تبدأ في ذهنه رواية كاملة، ينسجها من الرجاء والتوقع، ويرى نفسه فيها كأنما دخلت صورته قاعة فسيحة تفيض نوراً ووقاراً، واجتمع فيها الخبراء والنقاد وأهل الفن، ثم وضعت صورته أمامهم كما توضع الجوهرة على بساط من الحرير، وأخذوا يتداولونها بالنظر، ويتأملون خطوطها وألوانها، ويتحدثون عن معناها، ويختلفون في تأويلها، ويعودون إليها مرة بعد مرة.
وهذه الصورة التي يرسمها الخيال ليست كذباً كله، ولكنها ليست الحقيقة كلها أيضاً.
فإن الصورة قد تصل يوماً إلى تلك القاعة، وقد تُعرض فعلاً على أعين الخبراء، ولكن الطريق إليها أطول بكثير مما يتصور المصور، وأشد وعورة مما يظن. ذلك أن بين الصورة وبين عين المحكِّم أبواباً كثيرة، وحراساً كثيرين، وبعض أولئك الحراس لا يعرف شيئاً عن الجمال، ولا يعنيه الفن في قليل ولا كثير.
إن أول من ينظر إلى الصورة ليس فناناً، بل قانون.
وأول من يحاكمها ليس ذوقاً، بل قاعدة.
وأول سؤال يُطرح عليها ليس: «هل هي جميلة؟» وإنما: «هل هي مؤهلة لأن تُرى؟»
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
الممر الطويل قبل قاعة التحكيم
لو وقف المصور لحظة يتأمل الأعداد التي تستقبلها المسابقات العالمية الكبرى لأدرك أن الأمر أعقد مما يتخيل.
فهناك مسابقات تتلقى عشرات الآلاف من الصور، وأخرى تتلقى مئات الآلاف في دورة واحدة. وهذه الصور كلها لا تدخل إلى التحكيم دفعة واحدة كما تدخل الجموع إلى ساحة عامة، وإنما تمر في ممرات ضيقة من المراجعة والتدقيق والفرز.
وحين نحسب عدد الصور قياساً إلى عدد أيام التحكيم وساعاته، ندرك أن الزمن نفسه يصبح حكماً قاسياً.
فالصورة التي قضى صاحبها أياماً أو أسابيع أو شهوراً في إعدادها، قد لا تحظى في بعض المراحل الأولى إلا بثانية واحدة من النظر.
ثانية واحدة!
ولعل الإنسان إذا أنفق شهراً كاملاً في صناعة شيء ثم علم أن مصيره قد يتحدد في طرفة عين، أحس بشيء من القسوة. ولكن هذه هي طبيعة المسابقات الكبرى؛ فحين يفيض العدد على القدرة البشرية، يصبح الاختصار قانوناً لا مهرب منه.
ومن هنا فإن القاعة التي يحلم بها المصور موجودة حقاً، لكنها تقع في آخر الطريق لا في أوله.
وما أكثر الصور التي تتوقف عند الأبواب فلا تبلغ القاعة أبداً.
حين يحكم القانون قبل الجمال
في أول مراحل الغربلة لا مكان للعاطفة الفنية.
لا أحد يسأل عن شاعرية الضوء.
ولا عن عمق الفكرة.
ولا عن براعة التكوين.
إنما يُسأل عن أشياء تبدو صغيرة، ولكنها قد تكون فاصلة بين البقاء والخروج.
هل حجم الملف مطابق؟
هل الصيغة المطلوبة مستوفاة؟
هل البيانات المرفقة صحيحة؟
هل وُضعت العلامة المائية حيث لا يجوز أن توضع؟
هل التزم المصور بالحدود التي نصت عليها اللائحة؟
إن هذه الأسئلة قد تبدو للبعض مسائل إدارية هامشية، ولكنها في عالم المسابقات ليست هامشية أبداً؛ لأنها تمثل الحد الفاصل بين الصورة المقبولة والصورة المستبعدة.
وقد يحدث أن تكون الصورة من أجمل الصور المشاركة، ثم تُقصى لأنها خالفت شرطاً واحداً من شروط التقديم.
وهنا تقع المفارقة التي لا ينتبه إليها كثير من المصورين.
فالاستبعاد في هذه المرحلة لا يقول إن الصورة سيئة.
ولا يقول إن المصور ضعيف.
إنه يقول فقط إن الصورة لم تستوفِ شروط الدخول.
وهذا فرق كبير بين الحكمين.
الفئة الخاطئة: المنفى الهادئ للصورة الجيدة
ومن أعجب ما يقع فيه المصور أن يضع صورته في المكان الذي لا تنتمي إليه.
فالصورة، مهما بلغت جودتها، ليست كائناً مستقلاً عن سياقها.
إنها تشبه الكلمة في اللغة؛ فقد تكون الكلمة جميلة في ذاتها، ولكنها إذا وُضعت في غير موضعها أفسدت المعنى كله.
كذلك الصورة.
قد تكون صورة وثائقية آسرة، تنبض بالحياة والصدق، ولكنها إذا أُرسلت إلى فئة تقوم على الخيال الفني والتلاعب الإبداعي بدت غريبة بين أعمالها.
وقد تكون صورة مفاهيمية مبتكرة، لكنها تدخل فئة تشترط التوثيق الواقعي الصارم، فتبدو كأنها تتحدث لغة لا يفهمها أحد.
وحينئذ لا تُرفض الصورة لأنها ضعيفة، بل لأنها تقف في المكان الخطأ.
إن كثيراً من الهزائم التي ينسبها المصور إلى ضعف عمله ليست في الحقيقة إلا أخطاء في اختيار الفئة.
المعالجة الرقمية… المنطقة التي يكثر فيها سوء الفهم
ثم تأتي تلك المنطقة التي يكثر فيها الجدل، ويقل فيها اليقين: منطقة المعالجة الرقمية.
فهنا يبدأ الخلاف بين ما يراه المصور تعديلاً مشروعاً، وما تراه المسابقة تجاوزاً غير مشروع.
ولقد شهد تاريخ التصوير الحديث صوراً وصلت إلى المراحل النهائية في أعرق المسابقات العالمية، ثم أُبعدت بعد ذلك كله، لا لأن مضمونها ضعيف، ولا لأن أثرها الفني محدود، وإنما لأن التحقيق التقني أثبت أن التعديلات التي أُجريت عليها تجاوزت ما تسمح به القواعد.
وما أشبه هذا بمن يقطع صحراء طويلة، ثم يعثر قبل الوصول إلى الواحة بأمتار قليلة.
إن الألم في مثل هذه الحالات لا يأتي من خسارة الجائزة وحدها، بل من الشعور بأن السقوط وقع بعد اقتراب النجاة.
ولهذا فإن المصور الحكيم لا يكتفي بالسؤال: «هل تبدو الصورة أجمل بعد التعديل؟»
بل يسأل قبل ذلك: «هل ما زلت داخل حدود المسموح؟»
الأخلاق الخفية للصورة
وهناك نوع آخر من الشروط لا يتعلق بالملف ولا بالبرامج، بل يتعلق بالإنسان نفسه.
فبعض المسابقات لا تحاكم الصورة وحدها، وإنما تحاكم الطريقة التي وُلدت بها الصورة.
كيف التُقطت؟
وفي أي ظروف؟
وهل كانت المشاهد طبيعية أم مصطنعة؟
وهل احترمت الكائنات الحية والبيئة والناس؟
إن العالم اليوم لم يعد ينظر إلى الصورة باعتبارها نتيجة فنية فقط، بل باعتبارها فعلاً أخلاقياً أيضاً.
ولهذا قد تُرفض صورة فاتنة التأثير إذا ثبت أن الطريق إليها كان مخالفاً للمبادئ التي تؤمن بها المسابقة.
وهنا يصبح السؤال عن الوسيلة مساوياً للسؤال عن النتيجة.
العين المستعجلة
فإذا نجت الصورة من كل هذه الحواجز، وصلت أخيراً إلى الإنسان.
ولكن الإنسان الذي ينتظرها ليس ذلك المتأمل الهادئ الذي رسمه الخيال.
إنه محكِّم يواجه آلاف الصور.
وصاحب مهمة محددة بزمن محدود.
ولهذا فإن نظرته الأولى تكون خاطفة كلمع البرق.
في تلك اللحظة القصيرة لا تُقرأ الصورة كاملة، وإنما يُلتقط منها أثرها الأول.
هل شدّت الانتباه؟
هل أوصلت فكرتها سريعاً؟
هل تركت بصمتها منذ النظرة الأولى؟
ومن هنا نفهم لماذا تتقدم بعض الصور بسرعة، بينما تتعثر صور أخرى لا تقل عنها قيمة وربما تفوقها عمقاً.
فالصور التي تحتاج إلى تأمل طويل قد تخسر أمام الصور التي تكشف سرها بسرعة.
وليس هذا ظلماً بالضرورة، بل نتيجة طبيعية لطبيعة العملية نفسها.
الوهم الذي يؤذي المصور
وحين تأتي رسالة الرفض يبدأ الحوار الصامت بين المصور ونفسه.
وفي الغالب ينتهي ذلك الحوار إلى جملة واحدة:
«لم تكن صورتي جيدة بما يكفي.»
لكن هذه الجملة، على شيوعها، ليست دائماً صحيحة.
فكم من صورة رُفضت قبل أن تُقيَّم فنياً أصلاً.
وكم من صورة خرجت لأنها وُضعت في الفئة الخطأ.
وكم من صورة سقطت بسبب مخالفة صغيرة في الشروط.
وكم من صورة مرت أمام عين مستعجلة فلم تجد اللحظة الكافية لتكشف ما فيها.
إن الرفض لا يعني دائماً الرداءة.
كما أن الفوز لا يعني دائماً الكمال.
وبين هذين الحكمين مساحة واسعة من الظروف والإجراءات والسياقات.
قبل أن تدفع الرسوم
ولهذا فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يطرحه المصور على نفسه ليس:
«هل هذه صورة جميلة؟
بل:
«هل هذه الصورة مؤهلة؟»
ثم:
«هل اخترت الفئة المناسبة؟»
ثم:
«هل قرأت اللوائح كما يجب؟»
ثم:
«هل أفهم فلسفة هذه المسابقة وما الذي تبحث عنه؟»
فالفائزون المتكررون لا يملكون دائماً أفضل الصور، ولكنهم يملكون فهماً أعمق للطريق الذي تسلكه الصور قبل أن تصل إلى التحكيم.
لقد تعلموا أن الإبداع وحده لا يكفي
وأن الموهبة تحتاج إلى معرفة.
وأن الصورة العظيمة قد تسقط بسبب سطر صغير لم يُقرأ.
وأن الطريق إلى عين المحكِّم يبدأ أحياناً من الهامش المكتوب أسفل الصفحة لا من المشهد المصوَّر داخل الإطار.
ولعل الحقيقة كلها تُختصر في هذه العبارة:
إن كثيراً من الصور لا تُهزم أمام المحكِّمين، بل تُهزم قبل أن يراها المحكِّمون.
ومن فهم هذه الحقيقة أدرك أن أول خطوة نحو الجائزة ليست الضغط على زر الكاميرا، بل قراءة التعليمات التي تسبقها، وأن السطور الصغيرة التي يمر عليها الناس مروراً عابراً قد تكون هي الحارس الأول الذي يقرر ما إذا كانت الصورة ستُرى أم ستبقى في الظل.

أخر المقالات

منكم وإليكم