مقارنة بين مسرحيتي الناس اللي تحت والناس اللي فوق لنعمان عاشور

بقلم د. علي خليفة

كانت مسرحيتا الناس اللي تحت والناس اللي فوق من أوائل المسرحيات التي عرضت لنعمان عاشور، فقد عرضت له أولا مسرحية الناس اللي تحت سنة ١٩٥٧، ثم عرضت له مسرحية الناس اللي فوق سنة ١٩٥٨، وهناك مساحة من التشابه بين هاتين المسرحيتين، كما أن هناك مساحة من الاختلاف بينهما، وسأتناول هذا الأمر في هذه المقالة.وتتشابه هاتان المسرحيتان في أنهما تعرضان حال طبقات المجتمع المصري بعد ثورة ٢٣ يوليو – وبخاصة الطبقة الأرستقراطية الغنية والطبقة الفقيرة – وتطلعات كل طبقة منها للحال الذي تكون عليه بعد حدوث تلك الثورة، وما نادت به من شعارات مهمة، ومن أهمها تحقيق العدالة الاجتماعية بإزالة الفوارق الطبقية بين طبقات المجتمع.ونرى مساحة من الاختلاف في هاتين المسرحيتين في تركيز المؤلف في مسرحية الناس اللي تحت على حال الطبقة الفقيرة – على وجه الخصوص – في سعيها لتحقيق مصر الجديدة بما رفعته ثورة ٢٣ يوليو من مبادئ، وأهمها تحقيق العدالة الاجتماعية، أما مسرحية الناس اللي فوق فتهتم بشكل أكبر بتصوير حال الطبقة الأرستقراطية الثرية بعد ثورة ٢٣ يوليو، ومحاولتها استعادة مكانتها التي كانت عليها قبل حدوث هذه الثورة.وأوضح هذا فأقول: إننا نرى المؤلف في مسرحية الناس اللي تحت يطلعنا على حال الطبقة الفقيرة ممثلة في سكون بدروم في عمارة تملكها بهيجة هانم التي تعد ممثلة للرأسمالية بوجهها البغيض.ولا تكتفي بهيجة هانم – في هذه المسرحية – بمشاهدتها الحياة البائسة التي يعيشها سكان هذا البدروم في عمارتها، بل إنها تحاول دائما أن تعكر حياتهم وتزيد شقاءهم بوسائل مختلفة، ومن ذلك سعيها لطردهم من هذا البدروم؛ لأن الإيجار الذي يدفعونه لها لا يرضيها، ولأنها تسعى لتحويل هذا البدروم لمخزن للسينما التي كانت تعزم على إنشائها مع زوجها مرزوق، وذلك قبل أن تكتشف خداعه لها، وتطلق منه.وسكان هذا البدروم كلهم يعانون من صعوبة العيش، ولكن بعضهم يستسلم للحياة التي يعيشها، ولا يسعى لتعديلها؛ كرجائي ذي الأصول الأرستقراطية الذي اعتاد على أن يعيش من خلال إنفاق غيره عليه، وهو رغم ما أصابه من فقر لا يستطيع أن يغير حياته؛ ولهذا استسلم للزواج من بهيجة هانم – رغم كرهه لها – حتى تنفق عليه.

وكذلك كان عبد الرحيم الكمساري وفاطمة الدلالة مستسلمين للحياة الصعبة في هذا البدروم، ولا يتطلعان للحياة خارجه، بما يعني الحياة في مصر الجديدة بعد ثورة ٢٣ يوليو التي تسعى لإذابة الفوارق الطبقية فيها.في حين أننا نرى عزت الرسام وحبيبته لطفية من أهم الشخصيات المتطلعة للتخلص من هذا البدروم الذي يرمز لمصر القديمة قبل ثورة ٢٣ يوليو، ويشاركهما في الرغبة للتخلص من الحياة في هذا البدروم والتطلع لمصر الجديدة فكري بواب العمارة التي يوجد فبها هذا البدروم، ومنيرة خادمة بهيجة هانم.ويعد عزت في هذه المسرحية هو صوت المؤلف في الثورة على مصر القديمة التي تنحاز للإقطاعيبن، وتوسع المسافات بين طبقات المجتمع؛ ولهذا كان من أشد الثائرين على بهيجة هانم في هذه المسرحية.أما في مسرحية الناس اللي فوق فقد كان انشغال المؤلف الكبير فيها – بعد ثورة ٢٣ يوليو – ليس بتصوير حال الناس الي تحت، ولكن بتصوير حال الناس اللي فوق، وأهم من يمثلهم في هذه المسرحية عبد المقتدر باشا، وزوجته رقيقة هانم، وخليل بك أخو عبد المقتدر.وصور المؤلف أبناء الطبقة الأرستقراطية الثرية – في هذه المسرحية – بأنهم قد صدموا بثورة ٢٣ يوليو، وما أعقبها من تجريدهم من ألقابهم، ومن بعض أموالهم وأراضيهم، ولكنهم ما لبثوا أن حاولوا استعادة مكانتهم بما بقي لهم من نقود، أو باستغلال بعض الفرص، وإن كان ذلك بأساليب خسيسة، كحال خليل بك في هذه المسرحية، فإنه حاول أن يتمسك بطبقته التي ينتمي إليها رغم ما أصابه من إفلاس بتقربه من بعض النساء الثريات، وإغرائه لهن؛ حتى يقبلن الزواج منه، ويستحوذ على ما يستطيع الاستحواذ عليه من أموالهن.وأغلب أبناء هذه الطبقة الأرستقراطية – أو اللي فوق – في هذه المسرحية كانوا يتعاملون بتعال كبير مع أبناء الطبقات الأخرى في المجتمع المصري، ويرفضون الانصهار مع تلك الطبقات؛ ولهذا رأينا – في هذه المسرحية – رقيقة هانم تحث أختها سكينة على رفض زواج أنور من ابنتها جمالات؛ لأن والدة أنور كانت تعمل خادمة عندها، كما رأينا أيضا رقيقة هانم تحاول أن تقنع حسن ابن أختها سكينة بالزواج من ابنة أحد الإقطاعيين السابقين على ثورة يوليو، ولكن حسن – ابن الطبقة المتوسطة والمتمسك بمبادئ ثورة ٢٣ يوليو في أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة الفوارق الطبقبة بين طبقات المجتمع – يرفض هذه الزيجة، ويتمسك بالزواج من تيتي ابنة خليل بك؛ لأنها مؤمنة مثله بأهمية إزالة هذه الفوارق الطبقية بين طبقات المجتمع المختلفة.ويعد من جوانب التشابه في مسرحية الناس اللي تحت ومسرحية الناس اللي فوق أننا نرى في كل مسرحية منها شخصية تعبر عن أفكار المؤلف الثورية في تحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة الفوارق الطبقية بين طبقات المجتمع، وكان عزت هو الشخصية التي عبرت عن والأفكار والشعارات التي نادى بها المؤلف في مسرحية الناس اللي تحت، بينما كان حسن هو الذي عبر عن أفكار المؤلف والشعارات التي يؤمن بها في مسرحية الناس اللي فوق.وتتشابه أيضا هاتان المسرحيتان بوحود بعض المباشرة والخطابة فيهما؛ من أجل تنبيه الجمهور المتلقي لهما؛ حتى يشعر بالحماسة، ويسعى لتحقيق مصر الجديدة التي بشرت بها مبادئ ثورة ٢٣ يوليو، كالقضاء على الإقطاع والإقطاعيين، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإزالة الفوارق الكبيرة بين طبقات المجتمع.وتتفق هاتان المسرحيتان أيضا في أن كل واحدة منهما لا تكتفي بأن تسلط الضوء على شخصية أو شخصيتين فيها، بل إننا نرى في كل مسرحية منهما عرض عدة شخصيات في مواقف مختلفة، ويجمعها خط درامي واحد، متأثرا في هذا ببعض الكتاب الروس مثل جوجول وتشيكوف.

كذلك تتشابه هاتان المسرحيتان بوجود مسحة من الكوميديا في كل واحدة منهما، لا سيما من خلال رسم بعض المواقف المثيرة للضحك، كموقف رجائي في نفرته من بهيجة هانم قبل زواجه منها، ثم حاله بعد اضطراره للزواج منها؛ لتنفق عليه، وكان في أغلب الوقت يغيب عن الوعي بالسكر؛ حتى لا يضطر لمعايشة واقعه بالنظر إليها والحديث معها.وأيضا من المواقف المضحكة في مسرحية الناس اللي فوق حال عبد المقتدر باشا في خضوعه لزوجته رقيقة، وإحساسه أنها يمكن أن تسمه؛ حتى ترث ثروته.وهكذا عرضت في هذا المقال أوجه الاختلاف والتشابه بين مسرحية الناس الي تحت ومسرحية الناس اللي فوق للكاتب الكبير نعمان عاشور، وهما من أهم مسرحياته، رغم أنهما كانتا من أوائل مسرحياته التي كتبها وعرضها على خشبة المسرح.

أخر المقالات

منكم وإليكم