مسيرة عصام محمد رضا العطار .المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين مواليد دمشق 1927م .

متل اليوم 3 أيار 2024
توفي في مدينة آخن الألمانية المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين عصام العطار عن 96 عاماً.
عصام ابن محمد رضا العطار، ولد في دمشق سنة 1927م، ونشأ في ظل أسرة سورية لها مكانة اجتماعية، وعائلة عرفت بالتقوى والعلم.
والده القاضي الشاعر: محمد رضا بن إبراهيم بن محمود بن أحمد العطار الدمشقي.
ولد بدمشق سنة 1873 هـ ونشأ بها، درس الحقوق في اسطنبول وعمل قاضياً في المغرب العربي وأخذ عن علمائها، وتقلد عدداً من مناصب القضاء المدني والشرعي. قاوم سياسة الاتحاديين، واختفى مدة في البادية، ثم نُفي إلى الأناضول حتى نهاية الحكم العثماني. لديه مؤلفات في الشعر والقانون. توفي بدمشق سنة 1953 هـ، ودفن في مقبرة الدحداح.
هو سليل أسرة من العلماء تمتد إلى أحمد بن عبيد الله بن عسكر بن أحمد شهاب الدين العطار، محدّث الشام في عصره، حمصي الأصل، دمشقي المولد والوفاة، ومن كبار المدرسين.
درس عصام العطار في مدرسة التجهيز قرب المنشية، ثم التحق بالمعهد العربي، وهناك تعلم بعض أساسيات علوم الشريعة والتاريخ والأدب والفلسفة، وتلقى تعليماً في بعض المدارس الخاصة في دمشق أيضاً.
نشط العطار في شبابه مع الجمعيات الإسلامية التي كان لها نشاط واسع في سوريا خلال الانتداب الفرنسي، والتي تمخض عنها تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بقيادة مصطفى السباعي عام 1945.
ومن خلال تلك النشاطات تعرف إلى الأديب السوري الشهير الشيخ علي الطنطاوي عام 1935، وحينما ترشح الأخير لعضوية البرلمان عام 1947 أقيمت له العديد من الجلسات لدعوة الناخبين للتصويت له، حيث قال في مذكراته: “في هذه الحفلة ظهر خطيب جديد كان يومئذ في العشرين، فبهر الناس بخطبة ارتجلها، وبهرني مع الناس، هذا الذي صار بعد ذلك نابغة الخطباء، وهو عصام العطار”.
برز الشاب الدمشقي إلى واجهة الحياة السياسية عبر الخطابة من على منبر كلية الشريعة في جامعة دمشق سنة 1954، الكلية التي أسهم في تأسيسها في ذلك العام أربعة من كبار السياسيين والأساتذة في القانون والشريعة: الدكتور مصطفى السباعي، الدكتور مصطفى الزرقا، الدكتور معروف الدواليبي، والأستاذ محمد المبارك.
في عام 1957 خاض القائد التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين مصطفى السباعي معركة انتخابية ضارية في دمشق في الانتخابات التكميلية بمواجهة مرشح البعث رياض المالكي، لشغل المقعد الشاغر بعد الحكم على منير العجلاني في قضية مؤامرة عام 1956 خلال العدوان الثلاثي على مصر. سقط السباعي بفارق 2447 صوتاً، وكان هذا السقوط مدمراً لمصطفى السباعي، إذ أدى إلى خروجه من الحياة السياسية، وانتخب العطار رئيساً للجنة التنفيذية للجماعة خلفاً للسباعي في العام التالي. تزوج في عام 1958 من السيدة بنان الطنطاوي، ابنة الخطيب والأديب والقاضي علي الطنطاوي، وهو العام الذي عادت فيه شقيقته نجاح من اسكتلندا بعد أن حازت على الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة ادنبره.
جاء تولي العطار لقيادة الحركة في وقت كانت البلاد تتحضر فيه للوحدة مع مصر، وفي وقت كان السباعي قد هيأ الجو تماماً للعطار لقبول الوحدة. يقول الباحث جمال باروت: (حاول السباعي جعل الولاء لعبد الناصر ولاءً لسياسة الإسلام، وحاول إرغام الجماعة على التمسك بهذه الرؤية، وبعد نقاش داخلي حاد أعلنت الجماعة حل نفسها من أجل الوحدة. لقد فضل الإخوان حكم عبد الناصر على حكم اليسار والشيوعيين والبعثيين الذين كانت شريحتهم الاشتراكية الحورانية تكن لهم كل الحقد).
لم يوقع العطار على وثيقة الانفصال، ويبرر باروت ذلك بأن الإخوان كانوا إلى جانب عبد الناصر في صراعه مع الشيوعيين، لا سيما في العراق.
في الانتخابات البرلمانية التي تلت الوحدة سنة 1961 ، رشح العطار نفسه عن مقعد دمشق، وحاز على نسبة أصوات عالية جداً، حيث كان ترتيبه الثالث بعدد الأصوات في دمشق بـ 28,404 صوتا، بعد خالد العظم ومأمون الكزبري، وترأس العطار الكتلة التعاونية الإسلامية في البرلمان و التي ضمت أيضاً الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عن حلب، والذي حقق المرتبة الخامسة بعدد الأصوات عن حلب.
في فترة الانفصال، وفي ذروة الاستقطاب بين الوحدويين والانفصاليين، تفادى العطار وضع الجماعة في مواجهة عبد الناصر، والحقيقة أنه لم ينطق، وفق ملاحظات خالد العظم، بأي كلمة ضد عبد الناصر، لا في خطبه المسجدية ولا في تصريحاته الصحفية ولا في أحاديثه الجانبية مع النواب. يقول خالد العظم: (كان أكرم الحوراني أكثرنا تقديراً صحيحاً لما يضمره عصام العطار، لكني لم أكن أجزم مثل الحوراني أن عصام العطار ناصري يعمل في الخفاء ما لا يقول في العلانية).
ولعل هذه المواقف من عصام العطار كانت سبباً في تجنب وضع اسمه مع قيادات حركة الثامن من أذار 1963 ضمن قوائم العزل السياسي التي شملت معظم رجال السياسة غير أن قيادة البعث، بعد أن تخلصت من الناصريين وأحكمت قبضتها على مفاصل البلاد، منعت العطار، الذي قصد السعودية لأداء العمرة، من دخول البلاد مرة أخرى. في تلك الفترة توفي المراقب العام الدكتور مصطفى السباعي، فانتقلت وظيفة المراقب العام للعطار وسط معارضة من بعض أفراد الجماعة، وتحديداً مكتب حلب، الذين كانوا يرون أن العطار يغلب عليه الأسلوب الخطابي المؤثر على العمل المؤسساتي داخل الجماعة، كما يروي عدنان سعد الدين.
وازداد الشرخ بين تيارين، أحدهما داعم للعطار والآخر يرى بإزاحة العطار، خاصة أنه يدير الجماعة من خارج البلاد. ارتفعت حدة الخلاف حتى تدخلت القيادة الإسلامية غير السورية، ومنهم مرشد الإخوان حسن الهضيبي وأبو الأعلى المودودي من باكستان، وأذعن الجميع لقرارات مكتب الإرشاد والارتباط، فعقد مجلس الشورى السوري جلسة في بيروت واختار عدنان سعد الدين بديلاً للعطار، الذي استقر في مدينة آخن في ألمانيا.
ترافق إبعاد عصام العطار عن المشهد السياسي مع بروز شقيقته نجاح العطار، التي اختارها حافظ الاسد لتشغل حقيبة الثقافة في حكومة الخليفاوي، كأول سيدة تشغل منصب وزير في التاريخ السوري الحديث.
في 17 آذار 1981، وضمن موجة اغتيالات قادها النظام ضد معارضيه، اغتيلت زوجة عصام العطار في منزلها في مدينة آخن الألمانية، ما شكل ضربة قاسية للعطار.
قيدت الحكومة الألمانية نشاطه السياسي في الثمانينات باعتباره لاجئاً سياسياً، مما دفعه للتركيز أكثر على الجوانب الفكرية والأدبية، فكرّس وقته للدعوة الإسلامية والنشاط العلمي، حيث ساهم في تأسيس مركز مسجد بلال في آخن واتخذه مركزاً لنشاطاته وخطبه. كما أسس “المنتدى الإسلامي الأوروبي للتربية والثقافة والتواصل الإنساني والحضاري”، وعمل بين الطلاب المغتربين والمسلمين القادمين للدراسة في أوروبا، ساعياً لتقديم فكر إسلامي منفتح وديمقراطي.
رغم تقدمه في السن ورفضه الانخراط في أي تشكيلات سياسية معارضة، أيد الثورة السورية ووجه خطابات للناشطين تدعو إلى الوحدة ونبذ العنف والطائفية.
برحيل العطار طويت صفحة آخر رجال اليمين السوري المحافظ في الخمسينات.
عصام العطار الذي حمل على كتفيه إرث مصطفى السباعي، وأورث السياسة السورية حملاً ثقيلاً، بعد مسيرة طويلة من الصراعات السياسية التي لم يسلم منها بيته الصغير، الذي كان نموذجاً لسوريا المصغرة في أحزن أشكالها وأكثرها تراجيدية.
الرحمة لروحه.

معرض الصور:

المصادر:
الجامع المعين في طبقات الشيوخ المتقنين — محمد أكرم الندوي
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
موسوعة الشعراء العرب — سامي الدوري
موسوعة التراجم
مقالة في مدونة الجزيرة
موسوعة الأسر الدمشقية — محمد سعيد صواف
الدين والدولة في سوريا — توماس بيريه
الأحزاب والجماعات الإسلامية في سوريا — جمال باروت
الرحمة لروحه.

صورة للوالد محمد رضا العطار يحمل بين يديه ابنه عصام و ابنته نجاح
صورة لعائلة عصام العطار تبدو فيها زوجته بنان الطنطاوي التي اغتيلت عام 1981

أخر المقالات

منكم وإليكم