ميديا عباس شيرخان
شاعرة وكاتبة وتربوية عراقية من دهوك
حين اختارت ابنة الشمال العربيةَ لغةً للروح
في العراق، حيث تتجاور اللغات والثقافات كما تتجاور النخيل والجبال والأنهار، لا يكون الأدب أسيرَ الأصل، ولا تكون اللغة جداراً يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان؛ فالكلمة الجميلة وطنٌ آخر، يسكنه الجميع.
ومن دهوك، تلك المدينة الشمالية التي تتكئ على الجبل وتفتح نوافذها على فضاء واسع من الجمال، تطل تجربة أدبية شابة اختارت العربية لغةً للشعر والبوح والتأمل. إنها ميديا عباس شيرخان، الشاعرة والكاتبة والتربوية العراقية، التي استطاعت أن تجمع في شخصيتها بين صرامة العقل العلمي، ورهافة الحس الأدبي، وبين رسالة التربية وشغف الكلمة.
ولعل أجمل ما في تجربتها أنها لم تأتِ إلى الشعر مصادفة؛ فقد كانت الكلمة تنمو معها منذ الطفولة، وتكبر في داخلها بهدوء، حتى وجدت ذات يوم طريقها إلى الورق.
من بغداد إلى دهوك… حيث بدأت الحكاية
وُلدت ميديا عباس شيرخان في بغداد عام 1984، وقضت فيها عاماً واحداً من طفولتها، ثم انتقلت إلى دهوك، المدينة التي احتضنت طفولتها وشبابها، وفيها تشكل وعيها الإنساني والأدبي، وأكملت دراستها، وتزوجت واستقرت.
وفي الصف الخامس الابتدائي بدأت أولى إشارات الموهبة تظهر بوضوح، ولا سيما في دروس اللغة العربية والإنشاء والتعبير، حين أخذت كتاباتها تستوقف معلميها، وتكشف عن طفلة تمتلك شيئاً يتجاوز حدود الواجب المدرسي.
أما البداية الأعمق، فكانت في الثانية عشرة من عمرها، حين اتخذت من دفتر صغير عالماً سرياً لها، تودع صفحاته قصائدها الأولى ومشاعرها وأحلامها. كان ذلك الدفتر أشبه ببذرة صغيرة لم يكن أحد يعرف آنذاك إلى أي شجرة يمكن أن تصير.
وكان والدها الموجّه الأول والسند الحقيقي؛ فقد رأى في ابنته موهبة تستحق الرعاية، فدفعها إلى القراءة والمطالعة، وشجعها على المشاركة في المسابقات الشعرية التي كانت تبث عبر راديو آزادي آنذاك. وفي المرحلة الأولى المتوسطة استطاعت أن تحرز المركز الأول في إحدى المسابقات الشعرية، فكان ذلك الفوز المبكر بمثابة نافذة فتحت أمامها طريقاً أوسع نحو الشعر.
يدٌ أدبية امتدت إلى الموهبة
وفي رحلة تشكلها الأدبي، لم تكن ميديا وحدها في مواجهة الطريق؛ فقد وجدت من يقرأ موهبتها بعين العارف، ويمنحها التشجيع حين تحتاجه، ويدفعها إلى أن تثق بما تكتب.
وكان من أبرز من شجعها وآزرها في كتابة الشعر وتطوير تجربتها الأدبية زوجها، وهو دكتور متخصص في الأدب الكردي وأستاذ جامعي، له ديوان شعري مطبوع، فضلاً عن مؤلفات عديدة في مجاله.
وكان لهذا الدعم أثرٌ مهم في مسيرتها؛ فالموهبة قد تولد مع الإنسان، لكنها تحتاج إلى من يكتشفها، ويمنحها الثقة، ويقول لصاحبها في اللحظة المناسبة: استمر… ففي هذه الكلمات شيء يستحق أن يُسمع.
وهنا تتجلى قيمة المعلّم والمثقف الحقيقي؛ فهو لا يكتفي بأن يعلّم، وإنما قد يكون اليد التي تلتقط الموهبة من بداياتها، وتساعدها على الوقوف في أول الطريق.
بين الرياضيات والشعر
اختارت ميديا طريقاً علمياً لا يبدو للوهلة الأولى قريباً من عالم الشعر، فدرست في كلية التربية الأساسية – قسم الرياضيات في جامعة دهوك، وحصلت على درجة البكالوريوس، ثم واصلت دراستها العليا لتحصل عام 2012 على درجة الماجستير في طرائق تدريس الرياضيات من الجامعة نفسها.
وهكذا اجتمع في شخصيتها عالمان قد يبدوان متباعدين:
عالم الأرقام الذي يبحث عن الدقة، وعالم الشعر الذي يبحث عن الدهشة.
لكنها أثبتت أن العقل العلمي لا يطفئ جذوة الإبداع، بل قد يمنحه نظاماً أعمق، وأن الشاعرة يمكن أن تحمل في يدٍ معادلة، وفي اليد الأخرى قصيدة.
ميديا التربوية
تمتلك ميديا خبرة تربوية تمتد لنحو أربعة عشر عاماً، عملت خلالها في تدريس الرياضيات والفيزياء باللغتين العربية والإنجليزية.
كما ألقت عام 2013 محاضرات أكاديمية في مادتي علم النفس والإرشاد النفسي في جامعة عقرة، وقدمت دروساً تعليمية متلفزة عبر تلفزيون وار وتلفزيون وزارة التربية ضمن مشاريع التعليم الإلكتروني عام 2020.
ولم تتوقف رسالتها عند حدود الصف والجامعة، بل امتدت إلى العمل التطوعي والمجتمعي، واهتمت بقضايا المرأة والطفل، إلى جانب اهتمامها بالصحافة والكتابة والنشاط الأدبي.
قارئة قبل أن تكون شاعرة
لم تبنِ ميديا عالمها الشعري على الموهبة وحدها؛ فالقصيدة التي لا تتغذى من القراءة قد تبقى أسيرة اللحظة، أما التجربة التي تصاحبها المعرفة فتملك فرصة أكبر للنضج.
وقد تنوعت قراءاتها، وتأثرت بصورة خاصة بأدب جبران خليل جبران وإحسان عبد القدوس، وقرأت لشعراء العراق الكبار، ومنهم نازك الملائكة وبدر شاكر السياب ومحمد مهدي الجواهري، كما اطلعت على كتابات رجاء النقاش، وقرأت لأسماء عالمية كبيرة مثل دوستويفسكي وفيكتور هوغو وتولستوي، فضلاً عن حضور طه حسين في تجربتها القرائية.
وهذا التنوع ترك أثره في وعيها الأدبي، فبدت كتابتها محاولة للموازنة بين التجربة والخيال، وبين العاطفة والفكرة، وبين جرح الإنسان وأسئلته الكبرى.
حضور أدبي يتشكل
شاركت ميديا في عدد من الدواوين والمجاميع الأدبية المشتركة التي ضمت كتاباً وشعراء شباباً من العراق والجزائر، كما شاركت في مسابقات أدبية متعددة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وحققت مراكز متقدمة، من بينها المركز الأول في عدد من المسابقات.
ومن أبرز مشاركاتها المنشورة:
حديث بلا أطراف – مشروع العراق يكتب، العراق، 2018.
تذكرة إلى الجنة – مشروع رسالة وهدف، العراق، 2019.
نبضات أدبية بأصابع عربية – الجزائر، 2019.
وتتميز تجربتها الكتابية بالنزوع إلى التكثيف، والصورة والمجاز، واستحضار الذات الإنسانية في لحظات التحول والانكسار والتأمل.
إنها لا تكتب لتملأ مساحة بيضاء، وإنما تحاول أن تجعل من الكتابة مساحة أخرى للحياة؛ تقول فيها ما قد يعجز الكلام العابر عن قوله.
وتختصر ميديا علاقتها بالشعر والكتابة بقولها:
«الشعر بالنسبة لي وسيلة لإيصال صوتي في أغلب القضايا، والكتابة وسيلتي للتعبير عن آرائي وأفكاري بحرية… الكتابة هي وجداني، وبها أطير إلى عالم آخر أشعر فيه بكياني الحقيقي.»
شاعرة من الشمال… وقلبها يتسع للعراق
ميديا عباس شيرخان ليست مجرد شاعرة تكتب بالعربية من دهوك، وإنما نموذج لتلك الحقيقة العراقية الجميلة التي طالما أثبتت أن الثقافة أوسع من الانتماءات الضيقة، وأن اللغة يمكن أن تكون جسراً لا حاجزاً.
هي ابنة شمال العراق، تحمل في ذاكرتها جبال دهوك، وفي تجربتها العلمية إرث المؤسسة التربوية، وفي قصائدها لغة عربية أحبتها وقرأت بها ووجدت فيها مساحة رحبة للتعبير عن ذاتها.
وفي ذلك تكمن خصوصية تجربتها؛ فهي لا تقف بين هويتين، وإنما تقف في قلب العراق بكل تنوعه، حيث يستطيع الإنسان أن يحتفي بلغته وثقافته، وفي الوقت نفسه يفتح قلبه للغة أخرى فيكتب بها أجمل ما يشعر.
خاتمة… موهبة تستحق أن تُرى
إن الاحتفاء بميديا عباس شيرخان اليوم ليس ادعاءً بأن الرحلة قد اكتملت، بل هو احتفاء بطريق بدأ مبكراً وما زال مفتوحاً على احتمالات أجمل.
فالقصيدة الأولى التي كتبتها طفلة في الثانية عشرة، والدفتر الصغير الذي خبأت فيه أحلامها، والمسابقات التي خاضتها، والدراسة الأكاديمية، والتربية، والقراءة، والتشجيع الذي وجدته من والدها ومن أساتذتها، كلها حلقات في قصة واحدة عنوانها: الموهبة حين تجد من يؤمن بها.
وما تحتاجه الموهبة الشابة ليس التصفيق وحده، بل القراءة النقدية، والتجربة، والاستمرار، والجرأة على تطوير الذات. وميديا، بما تمتلكه من خلفية علمية وتربوية وثقافية، وما راكمته من تجارب وقراءات ومشاركات، تقف اليوم عند عتبة مرحلة يمكن أن تمنح تجربتها الشعرية مزيداً من النضج والاتساع.
ومن دهوك، نحيّي شاعرة عراقية اختارت العربية لغةً لروحها، وحملت في تجربتها رسالة جميلة تقول لنا:
إن العراق لا يجمع أبناءه بالتراب وحده، بل تجمعهم الكلمة أيضاً؛ وإن القصيدة حين تكون صادقة، تستطيع أن تعبر الجبال واللغات واللهجات، لتصل إلى الإنسان حيثما كان.
وفي «إعلام من بلادي» نؤمن أن الاحتفاء بالمبدعين لا ينبغي أن ينتظر اكتمال التجربة؛ فبعض الأسماء تستحق أن نضيء عليها وهي في بدايات الطريق، لأن الضوء أحياناً لا يأتي بعد النجاح… بل يكون أحد أسباب الوصول إليه.
إعلام من بلادي
نحتفي بالإنسان العراقي، ونوثق ذاكرة الإبداع.
اعداد
غني العواد


