مسيرة التشكيلي: سليمان منصور ..فنانًا حمل ذاكرة فلسطين وشعبها في لوحاته، وصاحب جمل المحامل.

و

وزارة الثقافة تنعى الفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور

رام الله- معا- نعت وزارة الثقافة، اليوم، الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور، أحد أبرز أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، الذي شكّلت تجربته الفنية على مدى عقود جزءًا أصيلًا من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية.

وتقدم وزير الثقافة عماد حمدان، وأسرة الوزارة، بأحر التعازي والمواساة إلى عائلة الفنان الراحل وذويه ومحبيه، وإلى الأسرة الفنية والثقافية الفلسطينية، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلهم أهله ورفاق دربه الصبر والسلوان.

وأكدت الوزارة أن اسم سليمان منصور ارتبط بصورة فلسطين وذاكرتها، وتجسد ذلك بصورة خاصة في لوحته الشهيرة “جمل المحامل”، التي تحولت إلى أيقونة فنية ووطنية، واختزلت في تفاصيلها حكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته.

وأضافت أن أعمال منصور ظلت تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون، لتصبح شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية الوطنية، ولتؤكد قدرة الفن على حفظ الذاكرة وصون الرواية الفلسطينية.

وكان منصور من أبرز الفنانين الذين أسهموا في بناء الحركة الفنية الفلسطينية وتطوير حضورها عربيًا ودوليًا، كما ترك أثرًا عميقًا في أجيال متعاقبة من الفنانين الفلسطينيين، من خلال تجربته الفنية التي جمعت بين البعد الجمالي والتعبير عن الهوية والهم الوطني.

وحظيت تجربة منصور بتقدير فلسطيني وعربي ودولي واسع، ونال عددًا من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية، وجائزة النيل للمبدعين العرب.

وأكدت وزارة الثقافة أن الفنان سليمان منصور سيبقى حاضرًا في الوجدان الفلسطيني والعربي، وأن أعماله ستظل شاهدًا على قدرة الثقافة والفن على حماية الذاكرة الوطنية وترسيخ الهوية الفلسطينية ونقلها إلى العالم.

ورحمت الوزارة روح الفنان الراحل، مؤكدة أن سليمان منصور سيبقى فنانًا حمل فلسطين في لوحاته، وحمل ذاكرة شعبه إلى العالم

***&***

سليمان منصور (Sliman Mansour) … حين تتحول الأرض إلى لوحة، والذاكرة إلى فن..
*إعداد: فريد ظفور
سليمان منصور ، المولود في بيرزيت عام 1947، أحد أبرز الأسماء المؤسسة للفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر. وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، لم يتعامل مع اللوحة باعتبارها مساحة جمالية فحسب، بل جعلها وعاءً للذاكرة والهوية والمكان؛ فالأرض والزيتون والبرتقال والمرأة الفلسطينية والتطريز والقدس والقرية تحولت في أعماله إلى منظومة رموز بصرية تكاد تشكل قاموساً خاصاً لفلسطين.

وتكمن أهمية تجربته في أنها لا تكتفي بتصوير الواقع الفلسطيني، وإنما تعيد بناء الذاكرة الفلسطينية بصرياً، حتى غدا الفن عنده نوعاً من حفظ المكان من النسيان.
النشأة والتكوين
ولد منصور في 27 يوليو/تموز 1947 في بيرزيت، شمال رام الله، قبل أشهر قليلة من النكبة الفلسطينية. وتذكر مصادر فنية ومؤسسات متحفية أنه عاش طفولته في محيط بيرزيت وامتدت تجاربه المبكرة إلى بيت لحم والقدس، وهي بيئات تركت أثراً واضحاً في رؤيته الفنية اللاحقة.

درس الفنون الجميلة في أكاديمية بتسلئيل للفنون والتصميم في القدس، وهناك واجه منذ مرحلة مبكرة سؤالاً فنياً مهماً: هل ينتمي الفنان الفلسطيني إلى الاتجاهات الفنية العالمية السائدة، أم يبحث عن لغة بصرية تنبع من تجربته المحلية؟
اختار منصور الطريق الثاني تدريجياً. فبدلاً من أن يجعل الحداثة الفنية غاية في ذاتها، أخذ يبحث عن حداثة فلسطينية تستمد مفرداتها من الأرض والإنسان والذاكرة.

«جمل المحامل»… اللوحة التي أصبحت أيقونة
إذا كان هناك عمل واحد ارتبط باسم سليمان منصور على نطاق واسع، فهو «جمل المحامل» (Camel of Hardship / Camel of Burdens).
أنجز منصور النسخة الأولى من العمل في سبعينيات القرن العشرين، وتذكر المصادر المتحفية أن للعمل أكثر من نسخة، فيما ترد تواريخ مختلفة في بعض المراجع بين 1973 و1974.

في اللوحة يظهر حمّال فلسطيني مسنّ، منحني الظهر تحت ثقل حمله، بينما يحمل في حقيبته/حمله القدس وقبة الصخرة.
لكن القراءة البصرية للعمل تتجاوز المشهد الحرفي:
الرجل هو الإنسان الفلسطيني.
انحناء الجسد يختزل ثقل التاريخ.
الحمل يصبح عبئاً جماعياً لا فردياً.
القدس ليست مجرد مدينة، وإنما ذاكرة وهوية.
الطريق يمكن قراءته بوصفه رحلة طويلة من الفقد والصمود.
أما الجسد المنهك، فيتحول إلى صورة مكثفة لمفهوم الصمود «Sumud».
ولهذا أصبحت اللوحة من الأعمال التي أسهمت في تشكيل الذاكرة البصرية الفلسطينية، وانتقلت صورتها من فضاء المعرض إلى الملصقات والبطاقات والمنشورات.

فلسطين ليست موضوعاً… بل مادة اللوحة
من أكثر ما يميز تجربة منصور أنه لا يرسم فلسطين من الخارج؛ بل يحاول أن يجعل فلسطين نفسها مادة للعمل الفني.
فالزيتون ليس مجرد شجرة جميلة في خلفية اللوحة، والمرأة الفلسطينية ليست مجرد شخصية شعبية، والتطريز ليس زخرفة لونية.
كل عنصر يحمل ذاكرة.
شجرة البرتقال
ارتبطت في أعماله بذاكرة النكبة عام 1948، وبالأرض التي فقدها الفلسطينيون والقرى التي تبدلت معالمها.

شجرة الزيتون
تحولت إلى رمز متكرر للارتباط بالأرض والاستمرارية، وربط منصور حضورها خصوصاً بذاكرة ما بعد 1967.

المرأة الفلسطينية
من أكثر العناصر حضوراً في عالمه التشكيلي.
تظهر المرأة بالثوب الفلسطيني المطرز، واقفة أو حاملة أو محتضنة للقدس، فتتحول من شخصية فردية إلى رمز للأم والوطن والأرض والذاكرة.

القدس
تحضر باعتبارها مكاناً وذاكرة وحلماً، وغالباً ما تظهر قبة الصخرة كعلامة بصرية شديدة الكثافة.
«فلسطين الأم»… الوطن في هيئة امرأة
في أعمال مثل «فلسطين الأم» (Mother Palestine) تتحول المرأة إلى استعارة بصرية للأرض.
وهنا نلمس واحدة من أهم خصائص تجربة منصور: التداخل بين الجسد والمكان.
فالمرأة ليست خارج الأرض؛ إنها امتداد لها. والثوب المطرز ليس لباساً فحسب؛ بل أرشيف من العلامات والزخارف التي تحمل ذاكرة المجتمع الفلسطيني.
وهذا الاستخدام المتكرر للمرأة والأرض والتطريز جعل أعمال منصور جزءاً مهماً من بناء ما يمكن تسميته «الأيقونوغرافيا الفلسطينية»؛ أي مجموعة الرموز والعلامات التي بات الجمهور يتعرف من خلالها إلى الهوية الفلسطينية بصرياً.

من الزيت إلى الطين… عندما أصبحت الأرض نفسها لوناً
ربما تكون هذه المرحلة من أكثر المراحل إثارة في تجربة منصور.
في ثمانينيات القرن العشرين، وخصوصاً في سياق الانتفاضة الأولى، ارتبط منصور بمجموعة «رؤى جديدة» (New Visions) إلى جانب فنانين فلسطينيين مثل فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني.
اختارت المجموعة مقاطعة مواد فنية مستوردة من إسرائيل، واللجوء إلى مواد محلية وطبيعية من البيئة الفلسطينية، ومنها الطين والقهوة والحناء ومواد أخرى.

وهنا حدث تحول مهم للغاية:
لم يعد الفنان يرسم الأرض فقط… بل بدأ يرسم بالأرض.
أصبح الطين، مثلاً، أكثر من مادة تشكيلية؛ إنه جزء من المكان الذي يتحدث عنه العمل.
وتشير موسوعة «متحف» إلى أن منصور استخدم الطين في تركيبات فنية تتكون من طبقات تُشكّل داخل إطارات خشبية، وأن تشققات الطين أثناء الجفاف أصبحت جزءاً من المعنى الجمالي للعمل، بما يحمله ذلك من إيحاءات بالزمن والتآكل والفقد.

«أنا إسماعيل»… الطين كذاكرة
بلغ استخدامه للطين مستوى بالغ الأهمية في سلسلة «أنا إسماعيل» (I Am Ismail) التي بدأها في التسعينيات.
في هذه الأعمال يتحول الطين إلى جسد، والجسد إلى أثر، والأثر إلى ذاكرة.
وقد ارتبطت السلسلة بمشاركة منصور في بينالي القاهرة السابع عام 1998، حيث حصل على الجائزة الكبرى للنيل، كما حصل في العام نفسه على جائزة فلسطين للفنون البصرية.

وهكذا أصبح الطين عند منصور لغة مزدوجة:
مادة من الأرض، وذاكرة للإنسان.
«رؤى جديدة»… الفن في مواجهة الاحتلال
لا يمكن دراسة سليمان منصور بعيداً عن تاريخ الحركة الفنية الفلسطينية.
ففي عام 1987 تأسست مجموعة «رؤى جديدة»، التي ارتبطت بالانتفاضة الأولى، وضمت منصور وفيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني.
وكانت الفكرة الأساسية أن الفنان يستطيع أن يجعل الممارسة الفنية نفسها موقفاً ثقافياً.
لذلك استخدمت المجموعة مواد مستمدة من البيئة المحلية، في محاولة لمقاطعة مواد فنية إسرائيلية الصنع، وتحويل محدودية المواد المتاحة إلى فرصة لتطوير لغة فنية جديدة.

وهنا تتضح خصوصية منصور:
المقاومة عنده ليست شعاراً داخل اللوحة فقط، بل يمكن أن تكون في اختيار المادة، وطريقة الإنتاج، واختيار الرمز، وحتى في حفظ الذاكرة.
اللون في أعمال سليمان منصور
للون عند منصور وظيفة رمزية، وليس مجرد قرار جمالي.
تتكرر في أعماله درجات:
الأخضر: الزيتون والحياة والأرض.
الأصفر والترابي: الحقول والجفاف والذاكرة الريفية.
البني: الطين والأرض والقرية.
الأحمر: الدم والإنسان والحياة.
الأزرق: البحر والسماء والامتداد.
الألوان الزاهية: التطريز الشعبي والملابس الفلسطينية.
لكن الأهم أن هذه الألوان غالباً ما تبدو مرتبطة بجغرافية المكان.
ولهذا يمكن النظر إلى لوحته باعتبارها نوعاً من الخريطة الشعورية لفلسطين.
المرأة والقرية والفلاح
في أعماله المبكرة، نجد حضوراً كثيفاً للفلاحين والنساء والقرى.
لكن منصور لا يقدم القرية بوصفها مشهداً فولكلورياً رومانسياً فقط.
إنها قرية الذاكرة.
الأزياء المطرزة، السلال، أشجار الزيتون، الحقول، المصاطب الحجرية، البيوت، النساء، الرجال، الأطفال… تتحول إلى أرشيف بصري لحياة مهددة بالاختفاء.
ولهذا يمكن قراءة أعماله بوصفها محاولة لإنقاذ التفاصيل الصغيرة من النسيان.
سليمان منصور والفن كوثيقة
من الناحية الفنية، يمكن وضع تجربة منصور عند تقاطع عدة مجالات:
الفن التشكيلي + الذاكرة + التاريخ + الهوية + السياسة + التراث الشعبي.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن أعماله لا تتعامل مع التاريخ كما يفعل المؤرخ، ولا مع السياسة كما يفعل الملصق الدعائي.
إنه يعيد صياغة التاريخ بأدوات الصورة.
فبدلاً من كتابة «التهجير»، يرسم حمّالاً يحمل القدس.
وبدلاً من كتابة «الارتباط بالأرض»، يرسم امرأة وسط أشجار الزيتون.
وبدلاً من الحديث عن القرية الفلسطينية، يبني عالماً من الثوب والتطريز والحقل والحجر.
«تموز» و«القدس» وأعمال أخرى
تضم مسيرته أعمالاً وسلاسل متعددة، من بينها:
جمل المحامل – Camel of Hardship
فلسطين الأم – Mother Palestine
المثابرة والأمل – Perseverance and Hope (1976)
تموز – July (1990)
أنا إسماعيل – I Ismael
القدس – Jerusalem (1996)
عشر سنوات في الطين – Ten Years in Mud
نسيج الذاكرة – The Fabric of Memory
صحوة القرية – Awakening Village
امرأة تحتضن القدس – Woman Embracing Jerusalem
وتوجد أعمال له في مجموعات مؤسسات ومتاحف دولية، من بينها المتحف البريطاني ومتحف «متحف» في الدوحة ومؤسسة بارجيل للفنون والمعهد العربي في باريس ومؤسسات ومجموعات فلسطينية وعربية أخرى.

الفنان والمؤسسة الثقافية
لم يكن منصور رساماً منعزلاً عن المشهد الثقافي.
كان له دور في بناء البنية المؤسسية للفن الفلسطيني.
شارك في تأسيس رابطة الفنانين الفلسطينيين، وتولى رئاستها في فترات مختلفة، كما شارك عام 1994 في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس، وتولى إدارته في منتصف التسعينيات.
وكان أيضاً من الأعضاء المؤسسين لمجلس إدارة الأكاديمية الدولية للفنون – فلسطين التي تأسست عام 2004. كما عمل مدرساً للفنون في عدد من المؤسسات والجامعات الفلسطينية.

منصور… الرسام والكاتب ورسام الكاريكاتير
لا تقتصر تجربته على اللوحة.
فهو أيضاً رسام كاريكاتير، وقد نشر رسوماً بين عامي 1981 و1993 في صحيفة «الفجر» الأسبوعية الإنجليزية التي كانت تصدر في القدس. كما شارك في تأليف كتاب Both Sides of Peace: Israeli and Palestinian Political Poster Art.

وهذا الجانب يكشف قدرة الفنان على الانتقال بين الصورة الفنية والصورة الصحفية والسياسية.
حضور عالمي وجوائز مهمة
لم تبق تجربة منصور محصورة في فلسطين.
عرض أعماله في أوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي وآسيا، وشارك في معارض وبِيَناليات عديدة، من بينها:
معهد العالم العربي – باريس.
المتحف الوطني للفنون الشرقية – موسكو.
بينالي الشارقة.
دارة الفنون – عمّان.
بينالي القاهرة.
Station Museum – هيوستن.
متحف الشارقة.
معارض في نيويورك وواشنطن وغيرها.

ومن أبرز الجوائز:
1998 – جائزة فلسطين للفنون البصرية.
1998 – الجائزة الكبرى للنيل في بينالي القاهرة السابع.
2019 – جائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية.
كما تشير السيرة المنشورة على موقعه إلى تكريمه في جوائز نجيب فاضل في إسطنبول عام 2025.

«منصور» في المتاحف العالمية
أهمية منصور لا تقاس فقط بعدد المعارض، وإنما أيضاً بحضور أعماله في المجموعات المتحفية.
فالمتحف البريطاني يوثق أعمالاً له، كما توجد أعماله في مجموعات Mathaf بالدوحة، وBarjeel Art Foundation في الشارقة، وInstitut du Monde Arabe في باريس، وJordan National Gallery of Fine Arts، ومتحف بيرزيت وغيرها.

وهذا يعني أن تجربته انتقلت من كونها جزءاً من المشهد الفلسطيني المحلي إلى أن أصبحت جزءاً من تاريخ الفن العربي المعاصر والفن العالمي المرتبط بقضايا الهوية والذاكرة والمقاومة.
بعد غزة… عندما تغيّر اللون
في السنوات الأخيرة، اتخذت تجربة منصور منحى أكثر قتامة أمام الحرب في غزة.
وفي حديث صحفي، أشار إلى أن اللون اختفى من أعماله تضامناً مع غزة، وأنه لجأ إلى الفحم والحبر وأقلام الرصاص لتسجيل يوميات الدمار.
وهنا يحدث تحول لافت في تجربته:
بعد أن كانت الأرض تمنحه الطين والحناء والقهوة والزيتون والألوان، يصبح الفحم والسواد لغةً للكارثة.
إنها لحظة يتراجع فيها اللون أمام الواقع، ويصبح الرسم أقرب إلى الشهادة.
لماذا يُعد سليمان منصور مهماً في تاريخ الفن الفلسطيني؟
يمكن تلخيص أهمية تجربته في ستة محاور:
1. بناء قاموس بصري فلسطيني
حوّل القدس والزيتون والبرتقال والمرأة والثوب الفلسطيني إلى رموز متكررة ذات حمولة ثقافية.
2. تحويل الهوية إلى لغة تشكيلية
لم يقدم الهوية باعتبارها شعاراً، وإنما باعتبارها صورة وملمساً ولوناً ومادة.
3. استخدام الأرض كمادة
خصوصاً الطين والمواد الطبيعية، الأمر الذي جعل المادة نفسها جزءاً من الرسالة.
4. الربط بين الفن والذاكرة
أصبح الرسم عنده وسيلة لمقاومة النسيان.
5. تأسيس الحركة الفنية الفلسطينية
ساهم في بناء مؤسسات وروابط ومراكز فنية فلسطينية، ولم يكتفِ بدوره كفنان فرد.
6. الوصول بالقضية المحلية إلى لغة عالمية
استطاع أن يجعل المشاهد في باريس أو لندن أو نيويورك يقرأ العمل باعتباره لوحة إنسانية، حتى لو لم يعرف كل تفاصيل التاريخ الفلسطيني.
القراءة الفنية لتجربة سليمان منصور
من منظور نقدي، يمكن النظر إلى تجربة منصور باعتبارها «فن المكان والذاكرة».
فاللوحة لديه تعمل على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: المرئي
شخص، شجرة، قرية، ثوب، مدينة.
المستوى الثاني: الرمزي
الأرض، الوطن، النكبة، القدس، الصمود، الهوية.
المستوى الثالث: الذاكرة
ما حدث، وما فُقد، وما بقي، وما يراد له أن يستمر.
وهنا تكمن قوة أعماله.
إنها لا تطلب من المشاهد أن يعرف التاريخ مسبقاً حتى يتفاعل معها؛ فالجسد المنحني، والمرأة، والشجرة، والمدينة المحمولة، والطين المتشقق، كلها صور إنسانية قادرة على إنتاج المعنى قبل أن تأتي القراءة السياسية.
سليمان منصور… حين يصبح الفنان حارساً للذاكرة
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال سليمان منصور في عبارة «فنان القضية الفلسطينية»، رغم صحة هذه العبارة.
الأدق أنه أحد الذين صنعوا لفلسطين لغتها البصرية الحديثة.
فقد أخذ عناصر تبدو بسيطة في ظاهرها: شجرة زيتون، ثوب مطرز، امرأة، فلاح، قرية، حجر، طين، مدينة، وجعل منها نظاماً جمالياً متكاملاً.
وفي «جمل المحامل» حمل الرجل القدس فوق ظهره؛ وفي أعمال الطين جعل الأرض تتكلم؛ وفي أعمال المرأة جعل الجسد حاملاً للذاكرة؛ وفي أعماله الأخيرة أمام غزة أصبح السواد نفسه شاهداً على المأساة.
ولهذا تبدو تجربة منصور وكأنها رحلة طويلة من اللون إلى الأرض، ومن الأرض إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهوية.
إنها تجربة فنان لم يرَ فلسطين موضوعاً يرسمه، بل رآها مادةً وذاكرةً ومصيراً بصرياً.
وهنا تحديداً تكمن فرادة سليمان منصور: لقد جعل من اللوحة مكاناً تستطيع فيه فلسطين أن تبقى، حتى عندما يحاول الزمن اقتلاع المكان من الذاكرة.

أخر المقالات

منكم وإليكم