مسرحية الطريق الكبير لأوجست استرندبرج

لا يعرض استرندبرج في هذه المسرحية الصراح المحتدم بين الرجل والمرأة الذي اعتدنا أن نراه في عديد من مسرحياته، كما نرى في مسرحية الأب، ومسرحية الآنسة جوليا ومسرحية جرائم وجرائم، ولكنه في هذه المسرحية يدخل في منطقة روحانية وصوفية، فبطل هذه المسرحية هو شخص عاش بين الناس فترة طويلة من حياته، وتزوج وأنجب، ومارس عدة مهن، فقد عمل مهندسا ومحاميا، وعمل واعظا أيضا، واكتشف بعد تأمل طويل له في الحياة أنه لم يعش بالشكل الذي كان يتمنى أن يعيش به، كما أنه اكتشف أنه سار في كل الطرق الخاطئة في الماضي، وآن له أن يسلك الطريق القويم، حتى لو كان الوصول إليه صعبا والسير فيه مرهقا.

ويقف ذلك الشخص فوق جبل عند مفترق طرق، ويبحث عن الطريق الذي يمكن أن يصل من خلاله للنجاة بعد رحلة الحياة التي قضاها، وشعر أنه كان بعيدا عن الله فيها، وأنه كان يجاري الناس في كثير من معاصيهم وأخطائهم، ولكنه أفاق، ويريد أن يكفر عن تلك الذنوب، ولا بأس من أن يتم تطهيره من خلال المعاناة، وكثرة السفر والتنقل؛ حتى يصل لبغيته.ويرى ذلك الشخص الباحث عن الحقيقة راهبا، ويتحاور معه حوارا صوفيا، ويرى الراهب أن ذلك الشخص متمكن من المبارزة بالكلمات، وأنه يستطيع أن يرد على السؤال بما يناسبه من إجابة لها معنى قريب، ومعنى آخر بعيد يعبر عن خبايا النفس، وتوقها للنجاة بالتخلص من الرزائل والمتع الزائلة.ويصحب ذلك الشخص شخص آخر جوال، ويمران ببعض القرى، ومنها قرية فيها شخصان لكل واحد منهما طاحونة، ويحاول كل واحد منهما أن يبعد الآخر عن هذه القرية بطاحونته؛ حتى يستحوذ على العمل وحده الذي تقوم به هاتان الطاحونتان في تلك القرية؛ وفي هذا دلالة واضحة على الطمع والصراع الدائم بين البشر على الرزق.ثم ينتقلان لقرية تسمى قرية الحمير، وكل من فيها من المجانين أو أنصاف المجانين، عدا شخص واحد فيها، فهو عاقل، ويضطر أن يتظاهر بالجنون؛ حتى لا يسجن في سجن هذه القرية، فذلك هو عقاب كل شخص عاقل يتواجد في هذه القرية، ومن ثم نرى أن العقل قد يكون أحيانا عبئا على صاحبه، وأنه يضطر للتظاهر بالتخلي عنه؛ حتى يسلم من بعض المواقف.ويذهب ذلك الشخص الذي يبحث عن الحقيقة لبلد آخر، وفيه تكثر الجرائم، وأكثرها يرتكبها شخص واحد، ولكن لا أحد يستطيع أن يبلغ عنه خوفا منه.ويلتقي ذلك الشخص الباحث عن الحقيقة في أحد البلاد بشخص يشكو إليه ثقل ذنوبه عليه، وأنه لذلك يرغب في أن يدفن نفسه حيّا في تابوت حتى يتألم جسمه، وتتطهر نفسه من ذنوبها بتلك الآلام التي سيعانيها جسمع في ذلك الموقف قبل موته.وخلال ذلك التنقل في تلك القرى وتلك البلاد يدرك ذلك الشخص الباحث عن الحقيقة أنه صار أكثر اقترابا من الله عز وجل، وصار أيضا أكثر استهانة بالدنيا وما فيها من شهوات، وينتهي به الأمر بأن يسبح الخالق العظيم الذي خلق ذلك الكون، وأن يشهد بعظمته، ويستغفره في الوقت نفسه؛ لأنه أخطأ كثيرا، وانحرف طويلا عن السير في الطريق القويم الذي كان يجب عليه أن يسلكه في كل مراحل حياته.

بقلم د.علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم