مراجعة لفيلم “لون الشمس”ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ83 فينيسيا الدولي.

💥 مراجعة | «لون الشمس».. المراهقة تبحث عن وطن جزيرة أوكيناوا اليابانية بين الفقد والهوية فينيسي ـ خاص «سينماتوغراف» في «لون الشمس» (The Colour of the Sun)، المشارك في قسم (أوريزونتي، أفاق) ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا، لا يتعامل المخرج كزافييه تيرا مع المراهقة باعتبارها مرحلة عابرة، بل كمساحة مضطربة يتشكل فيها الإنسان للمرة الأولى وسط أسئلة الحب والفقد والانتماء.في قلب الفيلم يقف «كاميي» (ناوتو شيماجيري)، مراهق يعيش صدمة وفاة والده، ويستعد لقضاء صيفه الأخير قبل عامه الدراسي الأخير في المدرسة الثانوية. لكنه لا يعيش حزنه بطريقة مباشرة، يختبئ خلف الصمت، ويحتفظ بتسجيلات والده، عالم الأحياء البحرية، كأنها وسيلته الوحيدة للإمساك بشخص غاب فجأة.ومن هذه الحكاية البسيطة يفتح تيرا عالماً أكثر اتساعاً.** صيف قبل الرحي ليجد كاميي نفسه موزعاً بين أشياء كثيرة لا يعرف كيف يقولها. انجذابه إلى زميلته «ساياكا» يبقى أسير الخجل، بينما تقوده المصادفة إلى «كولين» (ويست مالهولاند)، المراهق الأمريكي الذي نشأ داخل القواعد العسكرية المنتشرة في أوكيناوا.تبدأ بينهما صداقة مترددة، سرعان ما تكشف اختلافاً أعمق من مجرد اختلاف الشخصيتين. كاميي يريد مغادرة الجزيرة، بينما يشعر كولين، الذي قد يرحل قريباً، بأنه يريد البقاء فيها.هنا تصبح الصداقة مرآة لكل ما يعجز الاثنان عن قوله. الغيرة، الفضول، الحاجة إلى القبول، والخوف من فقدان الآخر، كلها مشاعر تتسلل بهدوء إلى العلاقة، فيما يترك الفيلم مساحة دقيقة لاحتمالات الهوية والانجذاب من دون تحويلها إلى قضية معلنة أو مباشرة.** جزيرة تحمل ذاكرتها لكن أوكيناوا ليست مجرد خلفية جميلة للأحداث. الجزيرة تحمل تاريخاً ثقيلاً من الاحتلال والوجود العسكري الأمريكي، وما خلّفه ذلك من توتر مستمر مع السكان المحليين.يستثمر الفيلم هذا التاريخ من دون أن يحوله إلى خطاب سياسي مباشر. يدير جد كاميي مركزاً مجتمعياً ينظم الاحتجاجات ضد القواعد العسكرية، بينما يعيش حفيده صراعاً شخصياً معه بسبب موقفه من والده الراحل.وبذلك يربط تيرا بين تاريخ الجزيرة وتاريخ العائلة. فالجروح الكبيرة لا تبقى دائماً في كتب التاريخ، أحياناً تنتقل إلى البيوت، وإلى الأبناء، وإلى الطريقة التي ينظر بها شخص إلى آخر.** حين يصبح الآخر مرآة تتسع الفجوة بين كاميي وكولين عندما يدخلان العالم الخاص بالقاعدة العسكرية. هناك، يصبح كاميي هو الغريب، رغم أنه يعيش على الجزيرة التي ينتمي إليها، بينما ينتمي كولين إلى المكان الذي يثير لدى السكان مشاعر الشك والرفض.هذه المفارقة واحدة من أذكى نقاط الفيلم.فكل شاب يحمل إحساساً مختلفاً بالغربة. كاميي يشعر بأنه عالق في مكان يريد مغادرته، وكولين يشعر بأنه يعيش في مكان قد يُجبر على مغادرته. وبين الاثنين تتشكل مساحة صغيرة يمكن للصداقة أن تسكنها، حتى لو كانت محاطة بتاريخ من الانقسامات.وحين ينفجر الصراع بينهما، لا يقدم الفيلم إجابة سهلة حول من يملك حق الانتماء. بل يترك السؤال مفتوحاً، هل يمكن للهوية أن تكون ملكية حصرية، أم أنها شيء أكثر تعقيداً وسيولة؟.** صورة تبحث عن الضوءقوة «لون الشمس» لا تأتي من الأحداث الكبيرة، وإنما من طريقته في النظر إلى التفاصيل الصغيرة. تيرا يمنح الصمت مساحة واسعة، ويترك للشخصيات وقتاً كافياً كي تتشكل مشاعرها من دون استعجال.وتتوهج كاميرا سايو مبهو موكد يبروم، في لحظات الليل والبحر والمساحات المفتوحة، حيث تتحول الطبيعة إلى امتداد للحالة النفسية للشخصيات.ومن أجمل استعارات الفيلم عجز كاميي عن التمييز بين البحر والسماء بسبب عمى الألوان. تبدو الصورة هنا أكثر من تفصيل في شخصية البطل، إنها تعبير عن عالم فقد حدوده الواضحة. البحر والسماء يتداخلان، كما يتداخل الماضي بالحاضر، والحب بالحزن، والانتماء بالغربة.** الفقد لا يختفيلا يبحث «لون الشمس» عن حلول سريعة للحزن. كاميي لا يتجاوز وفاة والده بمجرد فهم ما حدث، ولا تتحول صداقته مع كولين إلى علاج سحري. الفيلم أكثر نضجاً من ذلك.إنه يراقب مراهقاً يحاول أن يفهم نفسه بينما تتغير الأشياء من حوله، ويكتشف تدريجياً أن الانغلاق على الألم قد يكون أكثر قسوة من الألم نفسه.ومن هنا تأتي أهمية العلاقة مع الأم. فبعد كل المسافات التي يقطعها كاميي في الخارج، يعود الفيلم إلى العلاقة الأكثر قرباً منه، واضعاً في يدها مفتاحاً بسيطاً لكنه حاسم: القدرة على فتح باب التواصل الذي ظل مغلقاً طويلاً.** فيلم يثق بالصمتيقدم ناوتو شيماجيري أداءً شديد الحساسية. يعتمد على النظرات والصمت والحركة أكثر من الحوار، ويجعل من كاميي شخصية يمكن قراءة اضطرابها حتى عندما لا تقول شيئاً.أما ويست مالهولاند، فيمنح كولين حيوية مختلفة، ثقة ظاهرية تخفي بدورها هشاشة وأسئلة عن المكان والمستقبل. وبين الأداءين تنشأ علاقة هي القلب الحقيقي للفيلم.«لون الشمس» ليس فيلماً عن أوكيناوا وحدها، ولا عن قواعد عسكرية أو صراع ثقافي فحسب. إنه فيلم عن شباب يقفون على عتبة الرحيل، ويحاولون معرفة من يكونون قبل أن تفرض عليهم الحياة الإجابة.وهنا تكمن خصوصيته.فوسط تاريخ مثقل بالاحتلال والذاكرة والانقسام، يختار تيرا أن يبحث عن شيء أكثر إنسانية، لحظة يتوقف فيها الآخر عن كونه غريباً، ويصبح مرآة نرى فيها أنفسنا.إنها سينما هادئة، لكنها ليست ضعيفة، عاطفية، من دون ابتزاز، وسياسية، من دون أن تتحول إلى بيان.وفي النهاية، لا يحتاج «لون الشمس» إلى صرخة كبيرة كي يترك أثره. يكفيه أن يقول إن بعض الجروح لا تُشفى بالنسيان، وإنما بالقدرة على الكلام، وأن الإنسان قد يحتاج إلى الآخر كي يرى نفسه بوضوح للمرة الأولى.https://cinematographweb.com/#فيلم، #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك##,مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم