محمود أنور يكتب .. أنسنة التاريخ المصري القديم .. ما الذي لا نراه في الآثار؟

“أنت ابنتي الطيبة”.. عبارة قصيرة على شقفة من الحجر الجيري، لكنها تفتح بابا على حياة لا تظهر عادة في الصور الكبرى لمصر القديمة. يخاطب “حور مويا” ابنته “تانت جسرت”، ويعرض عليها مأوى تلجأ إليه إذا أخرجها زوجها “باكي” من منزله. في هذه الكلمات القليلة، يطل خلاف يهدد استقرار بيت، ومكان يوفر الحماية، ومحاولة لتأمين المستقبل.

وصلت إلينا الوثيقة المعروفة باسم “شقفة بتري 61” من دير المدينة، حيث عاش العمال والحرفيون الذين أعدوا المقابر الملكية خلال الدولة الحديثة. وتصف الترجمة المنشورة تانت جسرت بأنها ابنة حور مويا، بينما تفسرها بعض الدراسات باعتبارها زوجة ابنه باكي. وتكشف الوثيقة عن نزاع يهدد استقرارها، وعن عرض حور مويا إيواءها في الحجرة الأمامية لمخزنه الخاص، مؤكدا أن أحدا لن يستطيع إخراجها منها.

تبدو الشقفة صغيرة أمام ما بقي من معابد ومقابر ونقوش ملكية، لكنها تقربنا من جوانب الحياة اليومية التي لا تظهر بالوضوح نفسه في الآثار الكبرى. ففي نقوش رمسيس الثاني عن معركة قادش، بقيت المعركة بالصورة التي أراد الملك تخليدها، بينما تتيح الرسائل والعقود وسجلات العمل الاقتراب من الأجور وأيام الغياب والنزاعات على الممتلكات. ولكل مصدر زاويته، ومن تنوع الشواهد وتكاملها تتسع معرفتنا بالمجتمع المصري القديم.

غير أن فهم الماضي لا يكتمل بجمع المعلومات وحدها، بل يتطلب النظر إلى الإنسان داخل الوقائع والآثار. فخلف المعابد والمقابر عاش أناس يدبرون شئون بيوتهم، ويواجهون الخلاف والقلق وتقلبات الحياة. هنا تتجلى أنسنة التاريخ في الاقتراب من هؤلاء البشر وفهم اختياراتهم في ضوء ظروف عصرهم، حتى لا يظلوا مجرد ظلال خلف منجزات الحضارة الكبرى.

ومع ذلك، لا تكشف الآثار الحياة كاملة. تحفظ شقفة حور مويا عرض المأوى، لكنها لا تخبرنا كيف دار الحديث بينه وبين تانت جسرت، ولا كيف تلقت عرضه، ولا ما شغلها وهي تواجه احتمال إخراجها من المنزل. هذه المساحة الغائبة لا تبيح تحويل التخمين إلى حقيقة، لكنها تفتح سؤالا. كيف يمكن الاقتراب من تجربة إنسانية لم تسجل الوثيقة تفاصيلها؟

هنا يجد الأدب والفن مجالهما. يستطيع الروائي أو كاتب السيناريو أو المسرحي الانطلاق من هذا الموقف، وابتكار الحوار ورسم ملامح الشخصيات وبناء دوافعها وتفاصيل حياتها التي لم تصل إلينا.

ولكي ينتمي العمل إلى الماضي، يحتاج صاحبه إلى معرفة العالم الذي نشأت فيه الحكاية. طبيعة السكن في دير المدينة، وأوضاع العمال، والعلاقات الأسرية، وأثر العمل والممتلكات في حياة الناس. فالمعرفة لا تقدم حوارا جاهزا، لكنها تمنح الشخصيات سياقا يجعلها أكثر صدقا، ويحول دون إسقاط تصورات الحاضر عليها.

ولا يعني ذلك أن الفن مطالب بالالتزام الحرفي بالوثائق، فله أن يعيد بناء الوقائع وترتيبها لأغراض درامية. المهم أن يظل الفرق واضحا بين ما تثبته الشواهد وما يضيفه الإبداع. فالبحث التاريخي يفسر ما تسمح الأدلة بإثباته، بينما يستكشف الأدب والفن إمكانات التجربة الإنسانية انطلاقا من المعرفة.

بهذه النظرة، تظهر وجوه أخرى للحضارة المصرية القديمة. الفلاح الذي يشارك في الإنتاج، والحرفي صاحب المعرفة المتخصصة، والكاتب الذي ينظم الحسابات، والمرأة التي تدير شئون بيتها. هؤلاء ليسوا هامشا للحضارة، بل جزء من نسيجها الإنساني، الذي أسهم في استمرار المجتمع.

لا نعرف كيف انتهت حكاية تانت جسرت، ولا إن كانت قد احتاجت إلى المأوى الذي عرضه حور مويا. بقيت كلمات قليلة، وغابت تفاصيل حياة كاملة. وبين ما تحفظه الشقفة وما تتركه مفتوحا، تبدأ رحلة الاقتراب من الإنسان وراء الأثر، يضيئها البحث بما نملكه من شواهد، ويوسع الأدب والفن أفقها باستكشاف التجربة الإنسانية، مع وعي بحدود ما نعرفه عن الماضي.

******
المصادر
اليوم السابع
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم