ونبتدي منين الحكاية
صورة من ذكريات حمص الجميلة لها طابع خاص ومميز عند الحماصنة علبة اللبن العربي الخشبية
كان لبن الغنم في حمص يأتي به البدو من المناطق الشرقية لحمص وكان افضل واذكى لبن في سوريا والسبب ان الغنم في بادية حمص يتغذى على عشبة القيصومة والشيح
وكان أشهر تجار اللبن والسمن العربي في حمص منير فركوح ومكرم فركوح واللبابيدي و أبو صلاح ، مندو ورضا علوان ومدحت الرفاعي، زعرور ، الأسمر ، هريرة ، صوفان ، شحود ، الأبرش ، ونعاره الزهراوي ، الصياد ،التركماني ، الحبال، جمعة أبو راشد
وكان اللبن يوضع في علب خشبية تسمى كالوك والحجم الكبير مخمر والصغير جدح و أشهر من كان يصنع هذه العلب الخشبية للبدو هو الحاج أبو زياد النحيل خلف جامع الدالاتي
وكان يتم شراء علبة اللبن وتفرغ في البيت وتعاد العلبة دون غسلها للتاجر فيردها بدوره لصاحبها وكانت تكتب على العلب أسماء اصحابها ومن الأسم يعرف جودة اللبن .
حمص_ قصة_ عشق_ لاتنتهي
رامي الدويري_ عضو الجمعية التاريخية السورية
***&***
لبن الغنم في بادية حمص… حكاية الطعم الذي حفظته العلب الخشبية
في ذاكرة حمص القديمة، لا يحضر لبن الغنم العربي بوصفه غذاءً فحسب، بل بوصفه جزءاً من هوية المدينة وعلاقتها التاريخية بباديتها الشرقية. فقد كان البدو يحملون كل صباح نتاج مواشيهم من اللبن والسمن إلى أسواق حمص، حيث ينتظره الأهالي بثقة كبيرة، لما عُرف عنه من جودة ونكهة لا تشبه أي لبن آخر في سورية.
ويعود سر هذه الجودة إلى طبيعة بادية حمص، حيث ترعى الأغنام في مراعي واسعة تتغذى على نباتات برية عطرية، أبرزها القيصوم والشيح، وهما من أشهر النباتات الطبية والعطرية في البادية السورية. وتمنح الزيوت الطيارة الموجودة في هذه النباتات الحليب رائحة زكية وطعماً مميزاً، كما تزيد من كثافة اللبن وغناه بالدسم، وهو ما جعل لبن بادية حمص من أجود أنواع اللبن العربي.
العلبة الخشبية… سر الحفظ والطعم
من أجمل ما ارتبط بهذه المهنة التقليدية العلبة الخشبية التي كان يُعبأ فيها اللبن، وكانت تُعرف عند أهل حمص والبادية باسم الكالوك. أما الوعاء الكبير فيسمى المخمّر، بينما يسمى الصغير الجدح.
ولم تكن هذه الأوعية مجرد عبوات للنقل، بل كانت جزءاً من عملية حفظ اللبن. فالخشب الطبيعي يسمح بتهوية خفيفة، ويحافظ على برودة المحتوى نسبياً، كما يمنح اللبن نكهة محببة تختلف عن الطعم الذي تعطيه العبوات المعدنية أو البلاستيكية الحديثة.
وكان أشهر من يصنع هذه العلب الخشبية للبدو في حمص الحاج أبو زياد النحيل، الذي كان يعمل في مشغله خلف جامع الدالاتي، وقد ذاع صيته بإتقان هذه الصناعة اليدوية التي أصبحت اليوم من المهن التراثية النادرة.
نظام الأمانة والثقة
كانت عملية البيع تقوم على الثقة بين البائع والمشتري. فبعد شراء علبة اللبن، تُفرغ في المنزل، ثم تُعاد العلبة الخشبية إلى التاجر من دون غسلها، ليقوم بإرجاعها بدوره إلى صاحبها من البدو. وكان هذا الأمر يحافظ على الخشب من التلف، كما يمنع تشققه بسبب كثرة تعرضه للماء.
ولكل علبة اسم صاحبها محفور أو مكتوب عليها، حتى أصبحت أسماء أصحابها علامة يعرف منها التجار والزبائن جودة اللبن ومصدره، إذ كانت بعض العائلات البدوية مشهورة بإنتاج اللبن الفاخر، فيسعى الناس للحصول على إنتاجها قبل غيرها.
أشهر تجار اللبن والسمن العربي في حمص
عرفت حمص عدداً من التجار الذين ارتبطت أسماؤهم بهذه المهنة، وكانوا يشكلون حلقة الوصل بين البادية والمدينة، ومن أشهرهم:
منير فركوح.
مكرم فركوح.
اللبابيدي.
أبو صلاح.
مندو.
رضا علوان.
مدحت الرفاعي.
زعرور.
الأسمر.
هريرة.
صوفان.
شحود.
الأبرش.
نعاره الزهراوي.
الصياد.
التركماني.
الحبال.
جمعة أبو راشد.
وقد اشتهر هؤلاء بتجارة اللبن العربي والسمن البلدي، وكانت محالهم مقصداً يومياً لأهالي حمص الباحثين عن المنتجات الطبيعية القادمة مباشرة من البادية.
إرث لا ينسى
لم تكن علبة اللبن الخشبية مجرد وعاء، بل كانت رمزاً لزمن جميل يقوم على البساطة والأمانة واحترام المنتج الطبيعي. وكان وصول البدوي إلى المدينة محملاً بعلب اللبن والسمن مشهداً يومياً ينتظره الناس، كما ينتظرون موسم الخير.
واليوم، وبعد أن حلت العبوات البلاستيكية مكان الخشب، واختفت معظم تلك الحرف التقليدية، بقيت الكالوك والمخمّر والجدح حاضرة في ذاكرة الحماصنة، شاهدة على مرحلة كانت فيها العلاقة بين المدينة والبادية نموذجاً للتكامل الاقتصادي والاجتماعي، وعلى زمن كان فيه طعم اللبن يحمل عبق القيصوم والشيح، ورائحة البادية السورية بكل أصالتها.
يجدر التنويه إلى أن بعض أسماء الأوعية المحلية مثل الكالوك والمخمّر والجدح هي تسميات متداولة في حمص وريفها وقد تختلف من منطقة سورية إلى أخرى، وهي جزء من التراث الشعبي الشفهي الذي يستحق التوثيق.


