خلال غمرات الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في يونيو 1944، تحطمت سفن شحن يابانية إثر قصف أمريكي عنيف بالقرب من جزر ماريانا. وسط النيران والأمواج، نجا 31 جندياً وبحاراً يابانياً، ليجدوا أنفسهم على ضفاف جزيرة بركانية معزولة تُدعى “أناتاهان”.
لم تكن الجزيرة خالية تماماً؛ إذ قطنها رجل يُدعى “شويتشي هيجيدا” وامرأة شابة تُدعى “كيكويو هاناوكا”. ورغم ادعائهما الزواج في البداية، إلا أن الحقيقة كانت أعقد؛ فقد كانا يعيشان معاً بعد اختفاء زوج “كيكويو” الأصلي في ظروف غامضة على أرض الجزيرة.
وضعت الحرب أوزارها في أغسطس 1945، لكن الزمن توقف لدى هؤلاء الرجال؛ إذ رفضوا تصديق المنشورات الأمريكية التي تعلن استسلام اليابان، معتبرين إياها خدعة معادية، واستمروا في خوض “حرب وهمية” داخل الغابات الكثيفة. ومع ندرة الموارد، تحولت الجزيرة إلى ساحة صراع وحشي، كانت “كيكويو” -الأنثى الوحيدة- هي محورها ومحرك فتنتها.
انفجر الموقف عام 1946 حين عثر الجنود على حطام طائرة أمريكية وبداخلها مسدسان من طراز “كولت 45”. في تلك اللحظة، انتقلت القوة من الرتب العسكرية إلى فوهة السلاح؛ فمن يملك المسدس يملك السيادة، ومن يملك السيادة يمتلك “كيكويو”. بدأت سلسلة دموية من التصفيات الجسدية، فكلما قُتل صاحب سلاح، استولى عليه طامع جديد، لتتحول “أناتاهان” إلى غابة لا تعرف سوى لغة القتل.
على مدار ست سنوات، حصدت الصراعات أرواح 11 رجلاً؛ سقطوا بين مسموم، ومهويٍّ من جرف صخري، أو مفقود لا أثر له. وفي لحظة يأس جماعي، قرر الناجون إعدام “كيكويو” ظناً منهم أن غيابها سينهي الاقتتال. لكنها علمت بالمؤامرة، ففرت إلى أحراش الغابة لأسابيع، حتى لمحت سفينة أمريكية عابرة في يوليو 1950، فلوحت لها وتم إنقاذها.
عادت “كيكويو” إلى اليابان لتروي قصةً عجزت العقول عن تصديقها، قبل أن تتأكد السلطات من مطابقة أقوالها لوقائع الحرب. وبعد جهود مضنية ورسائل مؤثرة من عائلاتهم، استسلم الرجال الـ19 المتبقون في يونيو 1951.
لكن العودة لم تكن كما تمنوا؛ فقد اكتشفت “كيكويو” أن زوجها الأول حيّ وقد تزوج غيرها، وتحولت هي إلى مادة دسمة للصحافة التي لقبتها بـ “ملكة نحل أناتاهان”. أما الجنود، فقد وجدوا زوجاتهم قد اعتبروهم في عداد الموتى وبدأن حياتهن مع آخرين.
هذه المأساة التي جسدتها السينما في فيلم “Saga of Anatahan” عام 1953، تظل شاهداً مرعباً على الطبيعة البشرية؛ فالحرب الحقيقية لم تكن ضد الأعداء، بل كانت في النفوس التي فقدت بوصلتها. لقد أثبتت “صرخة أناتاهان” أن القوة حين تجتمع مع غياب الضمير، لا تبني وطناً.. بل تشيّد مقبرة
# مجلة إيليت فوتو آرت

