نزار قباني… حين تحوّل الشعر إلى ضمير أمة وعاشقٍ لا يشيخ
مصعب أحمد
المنصات الشعرية فرسان، وكان نزار قباني فارسها الذي امتطى صهوة الكلمة، وفي جعبته المرأة، والفقراء، وضمير الأمة، وتقاعس الحكّام. بقلمه خاض صولاتٍ وجولات، يجلد الممارسات الخاطئة بنقدٍ لاذع، ويبتكر طرقًا ناجعة للتنفيس عن الغضب والألم. كان يشخّص مواطن الضعف والأخطاء الفادحة في أفعال الحكّام العرب، كما في قصائده «هوامش على دفتر النكسة»، و«عنترة»، و«يوميات سياف عربي»، وغيرها من النصوص التي وُلدت من رحم المعاناة.امتزجت رسالته الشعرية بعبق الياسمين الشامي؛ كيف لا، وهو الذي ترعرع بين أزقة دمشق وحاراتها، المدينة التي قال عنها:«هنا جذوري… هنا قلبي… هنا لغتي،فكيف أوضح؟ هل في العشق إيضاح؟»هذا العشق العظيم الذي تملّكه لدمشق نثره عبيرًا شعريًا فاح في أرجاء المعمورة، حتى غدت المدينة حاضرةً في معظم نصوصه، محمّلةً بالتاريخ والحضارة، ومصوّرةً كجنةٍ خالدةٍ ذاب فيها غرامًا. وقد عبّر عن ذلك في مقاله الشهير «دارنا الدمشقية»، حيث شبّه بيته بقارورة عطر، في وصفٍ يكشف عمق الانتماء ورفاهية الذكرى.ولم يذهب هذا الحب سدى، فقد ردّت دمشق الجميل بتسمية أحد شوارعها باسمه، فكان ذلك عنده هدية العمر وأجمل بيتٍ يمتلكه على تراب الجنّة، مستعيدًا طفولته فوق حجارة ذلك الشارع، وذكرياته التي لم تغادر وجدانه.وُلد قباني في دمشق في 21 آذار 1923، في أسرة عربية عريقة، وكانت طفولته مفتاحًا لفهم شخصيته وإبداعه، كما قال بنفسه: «الطفولة هي المفتاح إلى شخصيتي وإلى أدبي». وقد حفلت تلك الطفولة بمواقف مأساوية تركت أثرًا نفسيًا عميقًا، فظلّت غصّة الفقد والعناء حاضرةً في قصائده.درس الحقوق في الجامعة السورية، وتخرّج عام 1945، ليلتحق بالسلك الدبلوماسي متنقّلًا بين عواصم عدة، حتى استقال عام 1966 ليتفرّغ للأدب. أصدر أول دواوينه «قالت لي السمراء» عام 1944، وتتابعت إصداراته حتى بلغت نحو 35 ديوانًا خلال نصف قرن، من أبرزها «طفولة نهد» و«الرسم بالكلمات».في حياته الشخصية، تزوّج مرتين؛ الأولى من ابنة خاله زهراء آقبيق، وأنجب منها هدباء وتوفيق، الذي شكّل رحيله صدمةً موجعة في حياته، فرثاه بقصيدته «الأمير الخرافي توفيق قباني». أما زواجه الثاني فكان من بلقيس الراوي، العراقية التي أحبها ورثاها بقصيدته الشهيرة «بلقيس» بعد مقتلها في الحرب الأهلية اللبنانية، في قصيدةٍ حمّل فيها العالم مسؤولية فقدها.تنقّل قباني بعد ذلك بين باريس وجنيف، قبل أن يستقر في لندن حيث قضى سنواته الأخيرة، مواصلًا الكتابة والنشر، ومن أعماله في تلك المرحلة «متى يعلنون وفاة العرب؟» و«المهرولون». وفي عام 1998، رحل عن عمر ناهز 75 عامًا إثر أزمة قلبية، بعد معاناة صحية، وقد أوصى أن يُدفن في دمشق، واصفًا إياها بـ«الرحم الذي علّمني الشعر والإبداع وأبجدية الياسمين».أثارت أشعاره جدلًا واسعًا، لما حملته من تمرّد على الواقع العربي ورفضٍ للمألوف، كما في قصيدته «خبز وحشيش وقمر» التي وصلت أصداؤها إلى البرلمان، وأثارت اعتراضاتٍ حادّة. لكنه لم يتراجع، بل أعاد نشرها خارج سوريا، مؤكّدًا أن من الرفض تولد الأشياء.لم يكن نزار قباني مجرد شاعرٍ يكتب عن المرأة والوطن، بل كان صوتًا صريحًا يوقظ الغافلين، ويؤرّخ الألم العربي بلغةٍ لا تعرف المجاملة. كتب الحبّ كما لو أنه صلاة، وكتب الوطن كما لو أنه جرحٌ مفتوح لا يندمل. جمع بين نعومة الياسمين وقسوة الحقيقة، فصار شعره مرآةً تعكس وجوهنا كما هي… بلا رتوش.سيبقى قباني حالةً متفرّدة في الوجدان العربي، لأنّه لم يكتب ليُرضي، بل ليُغيّر، ولم يُغنِّ للحبّ فقط، بل جعله بوابةً لفهم الإنسان وكرامته. رحل الجسد… لكن كلماته ما زالت تقاوم، وتُحب، وتغضب، وتصرخ فينا:إن الشعر حين يكون صادقًا… لا يموت.
#مجلة مبدعون#مجلة ايليت فوتو ارت..


