كتب ماضي حسن من كندا عن تجربة الفنان هاشم حنون ..وبنية النص تشكيليا.

معادلات التوازن النفسي والموضوعي داخل بنية النص التشكيلي عند الفنان هاشم حنون
مقالة نقدية للفنان والناقد التشكيلي العراقي المقيم بكندا دكتور ماضي حسن
يتجدد المعنى بالاستثناء، خارج سياق الاداء السائد في نصوص الفنان هاشم حنون، على وفق رؤى ذاتية، وموضوعية تنهل روافدها من مرجعيات متنوعة اولهما خلاصة مخاض تجريبي، ودراسي عبر مسيرته الفنية مذ كان طالباً في الفنون الجميلة، فضلاً عن اصداء الصخب المحتدم لمحيط الفنان، واحداثه الدراماتيكية المتلاحقة، والتي اخذت ابعاد تراجيدية محتدمة.
ولكن الفنان هاشم نحى بمنحى آخر لصيغة التعبير عن اصداء الاحداث التراجيدية، لبيئته الصاخبة.
انها اختيارات بناء منظومة المعادل والتوازن الفني، والفكري لثيمة، تتجنب اثارة الاوجاع بإعلانها المباشر.
انها تلويحات لحضارة وتراث وميثولوجيا ثرية بتنوعاتها، ممتزجة مع افرازات تاريخ العراق المعاصر.
لقد سعى فنانو جيل الستينيات كاستجابة للإرهاصات المحتدمة في المنطقة العربية عموماً، منها نكسة حزيران، وتتابع الانقلابات العسكرية، وظروف العراق السياسية غير المستقرة.
لقد سعى هؤلاء الفنانون الى تجسيد معنى سمو الشهادة، والتضحية مع بعدها الآخر المأساوي للإنسان، ولقد تحولت وانصرفت محمولات التعبير الجمالي بصيغته (الاستاطيقية) الى اهداف شكلانية معلنة لإيصال الوجع والمعاناة (السايسولوجية) الاجتماعية..كالفنان محمود صبري، ومحمد شاكر ومحمد مهر الدين وصلاج جياد، وغيرهم، باستثناء فنانو الفلكلوريات والتراث البغدادي. لقد ادرك الفنان هاشم حنون ان التعبيرية والتعبيرية التجريدية تحديداً، لابد من توحدها مع الحس الذاتي لإبراز الايحاء الداخلي لتتحول الى اشارات باثه عن مضمونها الفكري، ليجعل المعنى اكثر انفتاحاً، وايهاماً، وبعداً عن المباشرة.
في هذا السياق: ان هاشم حنون يسعى الى تفكيك معادلة الوهم الحسي للرؤى المجاورة للمعنى الرمزي، فهو يبحث عن بنائيات مختلفة ومضادة عن سابقتها، للتحرر من الركود، وتكرار تجارب مشترطة بطقوسها التقليدية.
فالتجربة المنسجمة مع الذات ترفض الاشكال والصيغ التقليدية اللا بحدود شروط نجاحها، لأنها تمتلك مقومات اكتشاف انساقها البديلة، لكون النص يشيد وجوده بما يمتلك من ركائز وهوس الامتداد المتواصل باتجاه ايجابي. فالفنان هاشم يفتح تطبيقاته التجريبية على نحو منسجم مع اشباع ولعه الجمالي.
تحقق بذلك معادلة التوازن النفسي والموضوعي على حد سواء.
انه يجعل من منتوجه الفني استجابة للخيال الذي يغدو مادة الحس، تتشيد على جذور واقعية، ليست على وهم، فهو يبعد مقيدات و تجديدات المنظومة الشكلانية، فالوعي والجمال وانسجام الاسلوب مع الذات هما ميزان التطبيق وافراز الاسلوب بصيغته التلقائية غير المفتعلة، ووهماً ودليل عمل الفنان، ولكن في الوقت ذاته لا يدع للأسطورة ومفردات المادة الفنية تطغى على النص التكويني، بل هي مفردات تستوجب وجودها دون وازع من مبررات وجوده المفترض، لذلك فان اعماله تحافظ على نزعتها الخاصة.
انه يبحث عن المعنى الخفي الكامن وراء الهدف وموجبات التوازن القيمي لجمالية اللوحة الفنية، فالنزوع نحو التأمل ينقل الذات المتأملة نحو آفاق تستريح لها النفس لتقبل الاهداف والثيمات باسترخاء، ومتعة جمالية، تتلاحم بعدئذ مكنونات التقبل البصري مع اشارات البث البصري.
ان الرسالة لا تتحقق وتصل الى المستلم اللا بتعبيرها وتكنيكها المستحسن.
والفن التشكيلي والاستاطيقيا هما توئمان في الولادة غايتهما واحدة، غاية انسانية لا تدعو الى التحريض العدواني، وانما الى تحقيق التوازن النفسي من خلال المتعة والتأمل، ثم التفكير والتفسير والادراك.
ان الخطاب البصري عند الفنان هاشم حنون يضعنا في المجال كتجربة تختزل الافكار والدلالات النفسية الى مجال الاستساغة الجمالية بلغة الالوان المتنوعة وبأجوائها المنسجمة.
فالفن عنده يكتم المعنى المبطن ليعلنه بالإشارات والعلامات والرموز، لان الفنان استمد مادته التشكيلية من استبصار حركة الاشياء بعد اختزالها الى مفردات متناغمة. ان اسلوبيته في التجريدية التعبيرية ومرموزاتها المتنوعة تسلك افقاً موسيقياً متناغماً بين التوزيعات الموضوعة وبين موجبات مفرداتها والوانها الهارمونية.
اصالة الرموز وبنائية العمل الفني:
يقول ارنست فيشر، عبر عن نفسك بإصالة تجد نفسك انت الآخرون.
يعبر الفنان هاشم حنون عن افكاره بتلقائية غير مفتعلة تنهل مادتها من مرجعيات التراث العراقي، ومن ميثولوجيا متداولة في ذاكرة الشعوب، و ضمن مراحل سياق تصاعدها الزمني الديموغرافي للسكان ببعديه الزماني والمكاني، أي مراحله الزمنية عقب حركة التاريخ الانساني للشعب العراقي، وتنوعات جغرافية المتغيرة التركيب عقب المراحل، شأنه شأن الفنانين اللذين تناولوا ذات المرجعيات لرفد مصادر الحركة التشكيلية العراقية، ولكنها بإيحاءات رمزية مختفية تحت اجواء بنائية العمل، لتستحيل الى خطوط اشارية ايحائية رابطة وممسكة للأجزاء، وجوه طفولية، ملامح شخوص تمضي للأمام نحو عالم مجهول تشكل باصطفافها وتنوع وقعها اللوني تكاملاً ملحوظاً لبنائية التكوين الانشائي للعمل الفني.
ان علاقة الاشياء بوجودها الحاضر في مكان واحد، وهي اللوحة دلالة على علاقة الترابط في الوجود الحالي والاصل، فالإنسان من التراب ويعود اليه، فتتحرر الروح ليمتزج الجسد مع الاشياء الصامتة، تقترن الاشياء مع بعضها قبل النشوء، وبعد الفناء تتوحد.
ان الروح، ونبض الحياة هي الحد الفاصل بين الموجودات، وكل ماعدا ذلك يغدو مسخراً لقوة الروح واستشعار الفكر، لذلك نجد ان الفنان هاشم حنون قد امسك بومضة هذا الايحاء الفكري للمعادل الفني والاسلوبي لمفردات الاشياء، كرموز يتساوى فيها ايحاء الشكل واحتلال حيزه الوجودي فالأشياء والتكوينات تحت جناح العمق المنظوري وضبابية اللون، والتقنية تتساوى في إيحاءاتها الوهمية. ففي عتمة الليل ترى الاحجار اشباحاً،
والاشجار بشراً، او كائناً آخر، واذا اقترب خط الافق من وجودك ورؤاك البصرية، فتمسك عندئذ دلالة وجوده كانسان، ولكن يصعب معرفة جنسه، والامر ينطبق كذلك على فرز النوع للأشياء الاخرى الحية والجامدة منها.
ان دلالة المعنى لاستخدام وتوظيف التنوعات في حيز ونسق واحد هو ايحاء رمزي لمعنى الوجود قبل التميز والفرز، ودلالة الاشياء بعد فنائها.
تلك هي معادلة التوازن، والتعبير عنها بقيم جمالية من خلال المرموزات المستخدمة، فرفض الظواهر ليس بالضرورة ابراز عيوبها واثرها المر، بل بإيجاد ما يحلم به الانسان من بدائل حيثيات السلم والنجاح، وتجنب الوقع المناقض واضداده الشنيعة.
ان الفنان، والشاعر والفيلسوف والمفكر والمصلح الاجتماعي لا يفكر بما يفكر به مغامر السلطة، وصولات العسكري لغاية قد تكون مشروعة في هدفها الدفاعي احياناً.
ولكن يكف نظره عن آثار التركة المدمرة، منصرفاً الى لذائذ الانتصارات الشكلية ومتطلبات اداء المهنة، منتظراً ما يتوسم به من نتائج الاطراء ولمعان الاوسمة.
مهمة الفنان مهمة انسانية تراقب الجانب المشرق للحياة لكونها قد ارتبطت بالبعد الجمالي وتوازن الاشياء مع قريناتها، حتى في النظام البيئوي للطبيعة.
نحن لانجزم دوماً بان الفنان في لحظة الشروع وما بعدها تخضع نوازعه وتطبيقاته الى منظومة التخطيط المقنن لترتيب الاشياء باصطفافاتها الرتيبة، ولكن نحن نستند في تحليلنا ودراستنا الى نتائج الاثر على وفق التحليل النفسي الفني من خلال كل اشارة وانحنائه وطريقة تنفيذه التي تختلف بين فنان وآخر ، وان كانت بنفس المفردة.
ان الانعكاسات والاسقاطات السيكولوجية للأثر الفني هي عبارة عن محمولات مختزنة، ومكتنزة في المدرك الوجداني والنفسي للفنان قبل التنفيذ.
من ذلك ان الصورة الشكلية والمحتوى الباطن لأعمال الفنان هاشم حنون تتجه بهذا السياق. انه خلاصة مخاض تجريبي لواقعية متقنة، ومتمرسة، دعت هواجسه المشبعة بالحرفية الى الانجرار نحو منظومة الايحاء البصري الذي يتجسد بأسلوبيته المعاصرة، فهي اذاً خلاصة لتصورات نسجت خيوطها في التمرس التطبيقي الحرفي والفكري المختزن.
عندما تنحو آلية الاشتغال عند الفنان بهذه الصيغة يصبح الاثر الفني عندئذ عملاً يتسم بصدق التعبير واصالة استخدام الدلالات الرمزية للعمل الفني.
تقنيات العمل:
يمنح الفنان هاشم حنون اعماله الفنية لكل عمل مناخاً وأجواء سائدة بعمومية لونها التي تصبح ارضية تستند عليها
رموز وحداته التشكيلية، اذ تتخللها مفردات صورية ذات انساق منسجمه مع المحيط الارضي لها وبين العلاقات الربطية للمرموز الفكري للوحدات.
وعلى ضوء ذلك فلقد حرص الفنان في الحفاظ على القيم الضوئية والجمالية لهما، فتأخذ صيغة الايقاع المتكرر احياناً، وايقاع النمط الحر في غالب الاحيان ولكن تشكل تماسك وترابط متوالي مع الخلفية التي تستند اليها، برغم تنوع واختلاف معنى ودلالة المرموز الفني، ويسعى الفنان ضمن اتقان تنفيذه البنائي للعمل، هو تجسيد حالة العمق المنظوري للعمل برغم تجريديته الواضحة، من خلال استخدام التدرج اللوني للأرضية ذاتها وبإحاطة مستطيلة، ومربعات او استطالات، او اية رموز هندسية اخرى، وتتجلى ذروتها في المساحات الداكنة كتحريك لسكون العمل الفني، ولقد استخدم الفنان هاشم حنون في اجراءاته التقنية مادة العجائن، كمادة (الووتر بروف) على سطح اللوحة ليترك فسحة من الفراغات كي تتنوع التضادات الملمسية لسطح اللوحة، مكملاً ذلك بتسنين السطح على شكل بروزات وحافات متجاورة افقية
وعمودية بواسطة آلة السكين. ان هذه التقنية التي تجعل من سطح العمل بتنوعاته الملمسي والشكلية يزيد من عمق العمل منظورياً، فضلاً عن تحقيق مستوى الجانب الجمالي للوجه، وهي تقنية معاصرة استخدمت مع الاعمال التجريدية المعاصرة، وفي الالوان استخدم مادة (الاكلرك)، ولكن الفنان بعد ان خاض مخاض عديدة في العمل الزيتي فانه يعود لتنفيذ هذا النوع من التقنيات بين حين وآخر.
ان طريقة تعامله اللوني زيادة على ما ذكرناه من الحفاظ على منظومة الالوان السائدة الا انه يكسر ذلك المناخ بالوان متضادة كالأحمر بجانب الاخضر ، والبنفسجي بجانب الاصفر، والازرق بجانب البرتقالي، وفي جانب تعامله مع آلية اشتغال بناء اللوحة انشائياً، فان اغلب الاعمال يكون الفراغ ضمني بين التجسيديات التكوينية للمفردات، سواء بطريقة شفافية اللون، او درجة سطوعه او بقعه البيضاء المجاور للألوان الاكثر عمقاً، وفي اعمال اخرى يترك الفنان هاشم حنون فضاءاً في الاعلى يتعادل تكافئاً مع تكويناته الرئيسة، استناداً على قاعدة الفضاء نصف العمل او الفضاء الجهة المعاكسة والمكملة للعمل الفني، يربط تلك التكوينات بخطوط رقيقة وشفافة سواء في اللون، او الحفر.
لذلك فالفنان يستخدم آلة السكين في بناء العمل التكويني كمرحلة ممهدة لألقاء اللمسة اللونية، وفي اعمال اخرى يستخدم الالوان الداكنة واللون الحيادي أي الرصاصي وبدرجاته الشفافة الجميلة، مضيفاً اليه مساحات لونية صغيرة مضادة وايجاد تشققات اشبه بالأرض التي اعقبت جفافها.
لذلك فان خضوع التجريب ينسحب على اتجاهين اتجاه تقني، واتجاه انتقاء المفردات ومدلولاتها الفكرية، وفي اعماله الاخيرة التي تمتاز باختلاف نمطية اسلوبها ودلالة موادها المستخدمة، اذ تشكل كتل اشبه بالكتل الصخرية المنحوتة والمنقسمة الى وحدات او ايقونات متجاورة، يحيطها فضاءاً مطلقاً، مضيفاً لها ذات الاسلوبية اللونية التي سلكها في اعماله السابقة.
واخيراً بقي ان نقول ان الفنان هاشم حنون فنان منتج له عديد من المعارض المتميزة قبل هجرته وبعدها، لذلك فهو يعدو فنان باحث ومنقب عن اسرار الرسم وجماليته وغايته الانسانية، انه يحلق فوق ادران الواقع ليبغي عالماً يسوده المحبة والسلام، انه يمهد الوسائل من اجل الغايات الفنية، والفكرية، لمسحتها الجمالية، ويجعل خطابه الفني، الاتجاه الآخر للضمير الانساني وهي دعوة خلود الذات في الذات النقية بعيدة عن اوجاع الضغينة والحقد، والصراع المهدم للبناء الانساني.

كندا \ ادمونتون
12\ 5\ 2013

#ماضي حسن# الفن والنقد التشكيلي# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم