كتب: حسان سعد..عن سيرةُ الباحثٍ ( سعد فنصة ) الذي طارد الغياب بالكاميرا والوثيقة.

سعد فنصة
سيرةُ باحثٍ طارد الغياب بالكاميرا والوثيقة

لم يكن سعد فنصة مصوراً يلاحق المشهد، بل صاحب مشروع ثقافي جعل من الصورة والوثيقة أداتين لمقاومة المحو، مؤمناً بأن ما لا يُسجَّل قد يُدفع يوماً خارج صفحات التاريخ. وهو ابن الصحفي بشير فنصة، نشأ في بيت ارتبط بالكلمة والصحافة والشأن العام، فحمل إرث القلم وأضاف إليه لغة العدسة ومنهج الباحث.
كاتب وباحث ومصور وثائقي، أمضى عقوداً بين المتاحف والمواقع الأثرية والأرشيفات، باحثاً عن سوريا الكامنة خلف الحجر والنقش والرواية، لا عن صورتها الظاهرة فقط. وفي المتحف الوطني بدمشق، ومن خلال عمله في التصوير والأرشيف الوثائقي، أسهم في بناء سجل بصري صار شاهداً على ثراء الحضارة السورية وتعدد طبقاتها.
ولم يحتفظ فنصة بخبرته لنفسه؛ فقد درّس في معهد الآثار قرابة خمسة عشر عاماً، كما كرّس جانباً مهماً من تجربته لتدريب أجيال من المصورين والصحفيين الشباب، وقدم في مدينة الشباب محاضرات ودورات في فن التصوير الفوتوغرافي، ناقلاً خبرته المهنية إلى جيل وجد نفسه لاحقاً في قلب أكثر المراحل السورية قسوة.
وكان من بين من درّسهم المصور الصحفي مصعب العوض الله ، الذي عمل في صحيفة «تشرين» واستشهد في بدايات الثورة السورية. ولم يكن العوض وحده؛ فقد فقد فنصة عدداً من طلابه الذين حملوا الكاميرا لتوثيق الأحداث، وارتقى بعضهم وهم يؤدون عملهم من حوران جنوباً إلى عامودا في أقصى الشمال السوري، بعدما تحولت الصورة من مهنة إلى شهادة، والكاميرا من أداة فنية إلى شاهد على ما يجري.
ومع اندلاع الثورة، وقف فنصة إلى جانب المصورين والصحفيين الشباب، مقدماً لهم ما استطاع من خبرة ودعم، ومدافعاً عن حقهم في توثيق الوقائع ونقلها. وكانت معارضته الصريحة والشديدة لنظام الأسد جزءاً أساسياً من موقفه العام، وأحد الأسباب الرئيسية التي دفعته في النهاية إلى مغادرة سوريا والتوجه إلى الولايات المتحدة عام 2013.
لم تكن عدسته تلتقط الأثر بوصفه حجراً صامتاً؛ كانت تستنطق ما وراءه، وتردّ إلى المكان أصوات البشر الذين بنوه وعاشوا فيه وتركوا عليه أثرهم. جمع بين حساسية الفنان وصرامة الباحث، فرأى في الصورة دليلاً، وفي الوثيقة مسؤولية، وفي قراءة التاريخ مواجهة دائمة مع الروايات الناقصة والمغيّبة.
ومع ما أصاب المواقع السورية من نهب ودمار، اتسع مشروعه من التوثيق إلى الدفاع عن التراث باعتباره جزءاً من هوية البلاد وحق السوريين في معرفة تاريخهم. وبعد مغادرته سوريا، واصل البحث والنشر في الولايات المتحدة، ثم أسس دار واشنطن الدولية للنشر لتكون منفذاً لكتب ووثائق وأوراق يصعب وصول بعضها إلى القارئ العربي.
لكن تجربة الدار اصطدمت بعجز التمويل؛ فبعد نحو ثلاث سنوات من انتظار دعم لم يصل، أُغلقت، في تجربة كشفت ضعف استعداد المؤسسات العربية المقتدرة لتمويل نشر كتب تتناول ملفات حساسة أو موضوعات ظلت بعيدة عن متناول القارئ.
ومن الآثار انتقل إلى ملفات التاريخ السياسي، فشارك مع بسام البرازي في تأليف كتاب «أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة»، مستنداً إلى الوثائق والشهادات لإعادة فتح فصل شديد التعقيد من تاريخ سوريا الحديث. وتابع بحثه في الأوراق المنسية من خلال أعمال مثل «الأوراق المجهولة لصبحي العمري»، مؤمناً بأن التاريخ لا يُستعاد بالشعارات، بل بالوثيقة التي تُقرأ، وبالسؤال الذي يجرؤ على الاقتراب من المناطق المسكوت عنها.
سعد فنصة… باحثٌ جعل الكاميرا عيناً على ما يتلاشى، والوثيقة اعتراضاً على الغياب، والتعليم امتداداً لذاكرته المهنية، والقلم محاولةً لإبقاء حكاية سوريا مفتوحة أمام الأجيال القادمة.
……………………………….
تحرير : حسان سعد
إنفوغرافيك #سوريات_Souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم