كتب الدكتور غسان القيم..”يا حافر حفرة السوء ما تحفر إلا على قياسك.. بكرا الدنيا بتلف وبتدور وبتوقع فيها على راسك”.

“يا حافر حفرة السوء ما تحفر إلا على قياسك.. بكرا الدنيا بتلف وبتدور وبتوقع فيها على راسك”

في الذاكرة الشعبية لا تأتي الأمثال من فراغ بل تولد من تجارب الناس ووجعهم وحكمتهم المتراكمة عبر السنين. ومن أصدق ما قيل في هذا المعنى:
“يا حافر حفرة السوء م)٠ا تحفر إلا على قياسك.. بكرا الدنيا بتلف وبتدور وبتوقع فيها على راسك.”
في صباحٍ قديمٍ من صباحات الريف السوري، حين كانت السنابل تميل مع الريح كأنها تصغي لأسرار الأرض كان الشيوخ يجلسون تحت ظلال التوت العتيق ويرددون هذا المثل وكأنهم يقرؤون قانوناً من قوانين الحياة التي لا تخطئ.
فالسوء الذي يزرعه الإنسان في دروب الآخرين لا يضيع في الفضاء بل يبقى يدور في أفلاك الأيام كما تدور رحى الطاحونة على مهل. والحفرة التي يحفرها المرء لغيره تبدأ صغيرة عند أطراف أصابعه لكنها تكبر شيئاً فشيئاً حتى تصبح أقرب إلى خطاه من خطوات ضحيته.
كانت الجدات يقلن إن الأرض تحفظ الأثر كما يحفظ الطين نقش المسمار وإن الأيام وإن تأخرت لا تنسى. فكم من إنسانٍ ظنّ أن المكر ذكاء وأن الأذى قوة وأن إسقاط الآخرين طريقٌ للعلو ثم جاءت دورة الزمن لتعيد إليه ما صنعته يداه لا انتقاماً بل عدالةً خفيةً تسكن قلب الحياة.
في حكمة هذا المثل إيمانٌ عميق بأن الدنيا ليست طريقاً مستقيماً بل دائرة واسعة تعود فيها الأفعال إلى أصحابها كما تعود السنونو إلى أعشاشها مع الربيع. فمن نثر الشوك في طرق الناس سيأتي يوم يمشي فيه حافياً ومن زرع خيراً ومحبةً سيجد ظلالهما تسبقه إلى أيامه القادمة.
وهكذا يبقى المثل الشعبي جرساً قديماً معلقاً على أبواب الضمير، يذكّرنا بأن الإنسان لا ينجو بما يخبئه للآخرين، بل بما يزرعه في الأرض من خير. فالدنيا قد تلف وتدور، لكن العدالة التي تسكن قلبها تعرف دائماً طريق العودة..

د.غسان القيم

أخر المقالات

منكم وإليكم