كتب : إلياس الحاج ذاكرة باب مقهى الروضة ..مع العالمي ” سبهان آدم ” .


ذاكرة باب مقهى الروضة
مع العالمي ” سبهان آدم “
( 1 )
• مروا من هنا ..
من هذا الباب المعتق بالأرواح …
وعبروا إلى داخل مقهى الروضة الواقعة في شارع العابد بدمشق ….
جلس بعضهم يتنهد باسترخاء ، والبعض الآخر مشدود الأعصاب ، وآخرون بحالة انكسار وشرود الخيبة والهزيمة..  أو حالة تعال وتكبر كمن على رأسهم ريشة .. والجميع تجول نظراتهم أرجاء هذا المكان .

هنا .. هناك .. وفي تلك الأماكن المثقلة جدرانها بذكريات وأصوات أناس تبروظ بعضهم مستعرضين قاماتهم الطويلة والقصيرة .. الممتلئة والنحيلة .. المبتسمة والمهمومة ..

وكل طاولة في الداخل وعند الشبابيك وعند البحرة  تروي حكايات من كانوا يتحدثون بتفاخر وبالنادر بتواضع عن منجزاتهم .. ابتكاراتهم .. إبداعاتهم .. وبأهمية العارفين المبحرين بتعمق عن كلاسيكيات أدبية وفلسفية وفنية وعلمية حصدت على مر السنوات محاكمات النقاد وإعجاب الجمهور فكان لها التأثير والتغيير من وحي الأثر الايجابي في الوعي الإنساني .. ولا يزالوا باقون في نبض الخافق والوجدان والذاكرة .

         ** عنهم .. أخبرت صاحبي الذي اعتدت أن أجلس بين وقت وآخر قبالته على ذات الطاولة القريبة من باب مدخل المقهى ، المتأمل والمختلف .. المفكر والمبتكر .. التشكيلي السوري العالمي  سبهان آدم .

وجدته كعادته متمرداً على أفكاره ، لكنه ولأول مرة يعبر عن مرارة علقم الأيام وألسنة المتعبين .. فرغبت إشغاله عما يشغله من ضجر وصخب تفكير وانفعالات تختلج عوالمه النفسية الداخلية ، والتي ظننت للوهلة الأولى تبدو معطلة لبراعة فلسفة ريشته وألوانه ولو لوقت قصير .
رحت وبإيقاع هادئ أخبره كيف اعتدت منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي أن تقودني قدماي إلى هنا ، فأجلس إلى طاولة بعيدة عن اللغط والضجيج ، وكلني شغف مزمن لكتابة أحداث سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية والإذاعية ، وأحياناً نصوص المسرح .. وبشكل دوري زاويتي الساخرة ( مسرح جيب ) للصحافة ، وفي بعض الأحيان حلقات برامج المنوعات ، ومنها برنامجي اليومي ” غداً نلتقي “، أو الأسبوعي ” مجلة الأسبوع للفضائية ، ومجلة التلفزيون للأرضية ” أو حلقات برامج الشهر الفضيل وأماسي بعد الإفطار والسهرة .. وأحياناً أعكف على كتابة المقالات النقدية .

وعبر الزجاج أسترق النظر لحركة المارة فألتقط شخصيات كاريكاتورية وصوراً ضاحكة باكية يومية لصالح تمثيليتي الدرامية الناقدة اليومية ” كلمتين وبس” .

إلى هنا دعوت بعض الضيوف من النجوم العرب ” عبد الله غيث ، سميحة أيوب ، كمال الشناوي ، محمد فاضل وزوجته فردوس عبد الحميد ، محمود عبد العزيز ، نور الشريف ، أحمد زكي ، سعيد صالح ، وغيرهم من صناع فنون الدراما ممن حاورتهم في برامجي التلفزيونية المنوعة وأفلامي التوثيقية التسجيلية .

لقد رحل معظمهم إلى دار البقاء وبعضهم القليل لا يزل ينبض بالحياة بيننا ” أمد الله بأعمرهم ” .

– ( ابتسم وسألني ) وما تفيدك كل تلك الذاكر  الآن ؟ ..
– ( ابتسمت وبنبرة هادئة ) أرجو أن تعود عاجلاً للرسم فتنشغل عن كل ما أنت فيه .
– كل شيء تبدل من حولي حتى ذاكرتي وذاكرتك .
– لكنها ليست كتلك الذاكرة التي ظن معها البعض أنهم تجاوزا بيكاسو ودافنشي .. أو موزرات وباخ وبيتهوفن ، أو كمن جلسوا متباهين بمجلدات وكتب تصفحوها فتبارون بثقافتهم حول مذاهب الفنون ومدارسها ..

* ابتسم صامتاً … وتابعت سرد ما انا فيه دون توقف …

– كم من مرة ارتفعت أصواتهم في أحاديث الشغف حول التجريب والتغريب .. الواقعية والكلاسيكية المعاصرة .. السريالية والتعبيرية .. الرومانسية والتراجيدية ..

وهذا يذكرهم بحديث سارتر وشكسبير وآخر موليير وميلر ونيقولاوس كزنتزاكس .. وما أكثر تكرار  الأحاديث والمقاربات التحليلية عن الإشكالية بين مسرح ستناسلافسكي وبريخت ومايرخولد ..

والأجمل من كل ذلك استغراق البعض في تقديم شواهد وأمثلة من بطون كتب ذائع الصيت والشهرة ماركيز أو نيسن أو باولو .. أو عندما يستخدم أحدهم مفردات عن دون كيشوت ( ميغل ) وذاك يرد عليه منفعلاً بشاهد عن الحرب والسلام ( تولستوي ) وفينفجر ثالث ليغالطهما وهو يتحدث عن آخر ما قرأ .. مئة عام من العزلة ( ماركيز ) ….

وعلى طاولة آخرى تجد من رفع ياقته وجلس متبرجزاً في حديثه عن الجريمة والعقاب ( ديستوفسكي ) فيرد عليه آخر مستنكراً ما كتب في هاملت ( شكسبير ) .. ويلتفت جانباً فيجد رجلاً رث الملابس فيومي إليه بإشارة إلى مسرحية البخيل ( موليير ) وتتداخل المصطلحات كـ ( التغريب – بريشت) أو كـ ( مسرح ديلارتي الإيطالي – الارتجال ) ..

وبالطبع لا بد أن تسمع ذات المفردات في مختلف الجلسات تأكيداً على حالة المثاقفة .. والمدهش أكثر من كل ذلك تلك الخلافات التي نشبت لتثبيت أسماء ومصطلحات وشواهد استخدمت من صفحات بطون كتب لم تكتب مؤكدين وبشراسة على أسماء وعناوين ومفردات لم تنزل في قبان ولا يعرفها ميزان ولا ذاكرة المكتبات .

– ( ضحك ) لقد نسيت كل تلك الأسماء وعناوين أعمالهم .. مسحتهم من ذاكرتي .
– لكنك لن تستطيع مسح ذاكرة أعمالك الإبداعية المحفورة في ذاكرة الجدران في مختلف أرجاء العالم .. فنادق .. مواقع سياحية .. صالات فخمة .. بيوتات .. وغير ذلك ..
– أنا شخصياً نسيتها .. لم أعد أذكر منها شيئاً ..
– وهل تريدني أن أنسى كل من التقيتهم على مر السنين.
– انساهم وريح فكرك .

وكيف ننسى أو نتناسى ، وقد استعرضت بعض ذاكرتي في ذلك المقهى لأثبت كغيري أنني كنت أبرز من جلسوا إلى تلك الطاولة وتلك الزاوية ارتشف من فنجان قهوة أو كأس شاي خمير أو عصير الرمان …

لقد مشوا وتبختروا فوق الأرض .. وفجأة أصبح معظمهم خارج ذلك الباب .. نعم أصبحوا تباعاً خارج زمننا المؤقت ، وتحت التراب ..

آخرهم من التقيته مرات ومرات هنا .. ثم قبل وقت ليس ببعيد عند باب المقهى ، الراحل عنا جسداً الرهيف النبيل القدير أسامة السيد يوسف ( الحبيب أبو نجيب ) .

                                  • يتبع .

أخر المقالات

منكم وإليكم