كتب:د. مسلم عباس عيدان الطَعَان..الكتاب ذاكرة، و الذاكرة كتاب: نبوءةُ جدي وقواميسُ أمي بائعة اللولبياء ودموعُ الدكتوراه.

*الكتاب ذاكرة، و الذاكرة كتاب:
نبوءةُ جدي وقواميسُ أمي بائعة اللولبياء ودموعُ الدكتوراه
(وقفة تأمل واستذكار)
بقلم: د. مسلم عباس عيدان الطَعَان

-١-
ذات يوم طفوليّ قال جدي (عيدان) والد أبي (عباس) مخاطبا جمعا من أعمامي وأقاربي في مضيف جدنا الأكبر (طَعَان) وأنا أجلس الى جنبه مرتديا دشداشتي(ثوبي) القروية المقلمة وهو يربت على كتفي بيد قروية حانية:
ولدي هذا راح يرطن بلسان الانكليز
راح تشوفون فعله والحي يشوف الحي
راح يصير كبير ومقامه عالي
ومن يستلم أول راتب
راح يشتري سمك ويشويه
ويقرا الفاتحه ويكًول:
هذا بثواب جدي…!
ذكرت تلك النبوءة في احدى قصائدي في مجموعتي الشعرية الموسومة (جنوب المراثي) التي حازت على ثلاث جوائز عالمية والرابعة كانت منحة الحكومة الاسترالية لاكمال الدكتوراه في الأدب الانكليزي وتلك المجموعة طبعت باللغتين العربية والانكليزية( كل واحدة بكتاب منفصل) وصدرت عن دار الكرمل في عمان-الأردن في عام (2004). أقول في مستهل قصيدتي الموسومة (نبوءاتُ جدّي) مترجما بلغة الشعر ما قاله جدي في طفولتي القروية :
قال الجدُّ: صبراً صبرا
قد تصبحُ يا ولدي يوما ما
استاذاً تتفنّنُ في نُطقِ اللغةِ الأخرى
قد تصبحُ ذا شأنٍ
أجرُك مرتفعٌ
تسكنُ في بيتِ ممتلئ بالنافورات
عرباتٌ فارهةٌ تكونُ بأمر بنانك
قد تنسى أحزانك
بل قد تذكرُ يوماً ما جدّكَ هذا
وتشوي لوجهِ اللهِ سمَكاً
تتلو الفاتحةَ وتهديهِ ثواباً….!
-٢-
يقول أحد الفلاسفة:
((أعرف أين أنا ذاهب ولكني أجهل كيف سأذهب.. في البداية دائما هناك منطقة معتمة تحتاج لاضاءتها, وظلمات يجب تجاوزها: ولكي تتضح الرؤية, أكدس سائر أنواع الخطط, وعلى أساس هذه الأدوات والبوصلات أبدأ استكشافاتي)).
وتقول أمي الفلاحة الطعانية الطيبة نقلا عن رفيقتها النبيلة الزايرة (أم ريسان) عندما كانت تراني مهموما او مترددا في حسم أمرٍ ما:
(سَوْ كًلبك من الكًاع دوسْ الثنيه
ماشفتْ واحد مات كًبل المنيه…!)
بين نبوءات جدي القروية واطروحة الفيلسوف في اضاءة المنطقة المعتمة واصرار امي على مقاومة المستحيل(دوسْ الثنيه) باستخدام بوصلة التحدي والمضي الى نهاية الطريق بأدوات استكشاف قاموسي تولد حكاية نبوءة جدي وقواميس أمي ودموع الدكتوراه …!
-٣-
منذ طفولتي القروية وولادتي في بيت طينيّ يقع على شط الكسر النابع من نهر الغرّاف, تعلمت من أمي الفلاحة القروية معانٍ كثيرة أضحت قواميس كبيرة في شعري و حياتي وتبقى حتى لحظة مماتي..!
أمي الصبورة المجاهدة المكافحة لشظف العيش والبؤس وظلم ذوي القربى والتي كانت تسقي فسائل النخيل وتزرع مع أبي في بستان الجد الجميل, علمتني ما معنى النخلة وماذا تعني لغة الجذور وكيف نترجم معنى الطين الذي ننتمي اليه جميعا وما معنى الدمعة حين تكون رفيقة للجمرة وما معنى الايقاع المموسق عندما يبدأ قاموسه بعبارة (دللّول يالولد يا ابني دللّول…!) وكيف يحرك الحصان ذيله بشعرية قروية ويضرب الأرض بحافره عندما ينشد أبي أبيات (أبوذيه) او يرتل ما تيسر من بعض آيات الذكر الحكيم ومنها قرأت معاني الماء الذي كانت تجلبه بدلو من الساقيه لتسقي به شتلات اللوبياء والبامياء والطرح والطماطه والقرع والباذنجان وعلمتني كيف اترجم لغة الدموع الى قصيدة حيث أصبحت دمعة أمي القروية طوفانا يغسل سنوات عمري من تراب رحلة الاستكشاف المضنية العالق بأذيال ثياب روحي حيث قلت ذات يوم وأنا أمارس لعبة الشعر اللذيذ فوق سرير النثر:
انسحبَ الطوفانُ السومريَ
وتركَ آثارهُ
في مآقي أمي …!
ومن فرط عشقي ووجعي بدأت بانتشاء أتشرَّب دموع أمي حتى أضحت (الدال) نسبة للحرف (د) دفقا ايقاعيا يرافق قصيدتي في حلِّها وترحالها.. الدمعة تبدأ بحرف (دال) ونقطة في رأس السطر.
ما من قصيدة (شعبية أو فصحى) كتبتها الا ورافقتني في رحلة الكشف والاستكشاف في خفاياها بوصلة الدمعة والجمرة وكلتاهما رضعتهما من أثداء قاموس أمي…!
-٤-
كبرتُ وصرتُ مراهقا عاشقا للورود بشقيها النباتي والانثوي ودالات أمي ترافقني:
-دير بالك من النسوان الماهرات…!
وما كنت أعلم ماذا يقصد قاموس أمي بالنسوان الماهرات.
هل الماهرات تعني مهارتهن في الكيد مثلاً أم مهارتهن في اصطياد فراشات القلوب؟!
لكني حفظت منها أغنية ذات ايقاع طفوليّ كانت تراقصني بها في طفولتي حيث كنت أستجيب لايقاعها راقصا ومطلقا كركراتي القروية حيث كانت تقول:
عندي ولد غصن بان
عينه تصد للنسوان
يالوالده موش آنه
المهره تدج للحصان…!
أذن أنا (غصن بان) أمي وعيني (تصد للنسوان) لكني لست بالحصان الوقح الذي يتعدى أسوار مملكته الريفية المسوّرة بأسوار(العيب) و(انت خوش ولد ووووو….),لكن المهرة هي التي كانت تدك الأرض التي أمشي عليها..ربما كلمة (ماهرات) مرتبطة بالمهرة التي تدك الأرض اغراءا للحصان واستفزازا لايقاعه الحسي لكي يشرع بكتابة قصيدته التي تنتمي لقاموس الدموع.., وبالمناسبة أن الخيل تشترك مع الانسان بكتابة قاموس الدموع, فالخيول تبكي وعندما تبكي تكتب قصيدة من دموع…!
-٥-
من دمعة أمي السومرية أخذت أول حرفين (دال وميم) وعجنتهما بماء قلبي فتكونت لديّ كلمة (دم) وأمي تبكي دما على الحسين العظيم (ع)..أضحيت أبكي دما كلما تذكرت اسم الحسين وأصبح الحسين مع أمي والجنوب يشكلون الأضلاع الثلاث لمثلث قصيدتي…!
وأصبحت أبكي كلما تذكرت عباءتها السوداء التي صارت حمراء من أشعة الشمس حيث كانت في أيام الفاقة تبيع الخضار في السوق لكي تجعل دم قلبي ينبض بالحياة.. تحرق راحتها بالشمس لكي تجعلنا أنا وأخوتي ننعم بالراحة…يا الهي أي قاموس من الوفاء تملك تلك المرأة العظيمة؟!
أتذكر أني في مجموعتي الشعرية الموسومة (عراقيةٌ عباءةُ أمي/ دار أحمد المالكي والبيت السومري/ بغداد2025) والتي أهديتها لها قلت في احدى قصائدي المحاوِرة(بكسر الواو) والموسومة (الدمعُ ميراثُ الفقراء):
عباتچ حمره لونْ الدمْ
اشسوا العباه حمره
إهي شمسْ الزمنْ
لو خنجرْ الحسره..؟!
يا دمعه يتيمه او طاحتْ اعلى الخدْ
او مو طبعْ الدموعْ ابساعْ تتبرّه
اذا تشعلْ إچفوفْ الضيمْ
على الخدين ألفْ جمره
يا حطّاب الدمعْ فاسكْ
اشما نزلتْ على اجذوعْ الصبرْ
تطلعْ ألفْ شجره
بسَّك يا زمنْ متحزمْ احزامْ
سلَّمناك أهلْنا
اهناه والبرّه…,
الخنجرْ همْ ينامْ الليلْ فرحانْ
متنونسْ يمرعدْ فلذة الزهره
بسْ حشدْ السيوفْ الخايبه انهانْ
او بقى دمْ الحسينْ اسراجْ وهّاجْ
اوخذتْ ضيها الكواكبْ من شمسْ نحره
خذيتوا اسوادنا كله
من نبضْ السهلْ
لعروكً الجبلْ وأشجاره او صخره
نهبتوا الخيرْ والأيامْ والأحلامْ
او ظلْ بسْ الدمعْ ميراثْ للفقره
او كًلنا فايزينْ…,
لأنْ كنزْ الدمعْ مضمومْ
او ما بيكمْ الزلمه اليوصلْ السرَّه..،
لأنْ..
لأنَّ الليلَ
لو ضجت قواربُهُ
سيلقى موجَنا الأعتى
ولن يلقَ له جبلاً
من التسكابِ يعصمهُ
اذا ما مدّت الأيامُ
حبالَ الموجِ للغرقى
سيبقى ليلُهم فينا
هو الأشقى…،
سيبقى
من عباءتِها لنا علَمُ
تسوّرُهُ بقايانا
بجَفنٍ زادُهُ الحُلُمُ
ويبقى ينظقُ القَسمُ
لكنزِ الدمعِ مذ عزفت
على بركانِها الحممُ
سيأتي نهرُ دمعتِها
الى من شدَّهم ظمأ ٌ
لجذوتِها..،
فصوغي من عباءتِها
وساماً أنتِ يا قممُ
لنا في جرحِها وجعٌ
بهِ الأوجاعُ تلتحمُ
لنا في دمعِها بحرٌ
بهِ الآهاتُ تلتطمُ
لنا في صبرِها صخرٌ
عليهِ اليأسُ ينحطمُ
لنا في جرحِها جرحٌ
لسانٌ جرحُهُ وفمُ
لنا في نطقهِ قسَمٌ
ويبقى ينطقُ القَسَمُ
عباءتُها وجودُ الله
تلاشى أيُها العَدَمُ…!
عمان- الاردن-2002
-٦-
في مرحلة الدراسة المتوسطة بدأ قاموس اعتمادي على النفس يتشكل حيث كانت أمي تدفعني للعمل رغم أني كنت مهووسا بالشعر ليلا ونهارا..!
عملت في معامل الطابوق وأكسبني العمل في أتون تموز اللاهب حمرة دائمة وجدت مستقرها الوديع في عينيَّ القرويتين…كنت أعشق اللغة الانكليزية بجنون منذ المرحلة الابتدائية ربما استجابة لنبوءة جدي المبكرة التي تجذرت بقوة في قاع الوعي الطفوليّ المبكرلديّ. عشقي لتلك اللغة حدا بأخي الأكبر(أبو علياء) أن يجلب لي (قاموس مهلَّس)..لا أدري لماذا كنت أسميه( قاموس مهلَّس) ربما لأن غلافه الأمامي والخلفي كانا غير موجودين.., يعني أن جناحه الأمامي كان قد فقد ريشه وفقد صلاحيته وكذلك وقع الأمر ذاته مع الجناح الثاني.., بيد أن ذلك القاموس (المهلَّس) كان قد زوَّد أجنحتي اللغوية بريش المفردات وجعلني أحلق بانتشاء واثق في سماء تلك اللغة الساحرة..!
حين انتقلنا من قريتنا الريفية الواقعة على ضفاف شط الكسر الى قريتنا المدينية الواقعة على ضفاف شط (ابو الخيس) المسمى محليا (اشطيط) كنا نسكن نحن الاخوة الثلاث حسين وصادق وأنا مع والدتنا في (صريفة) أي غرفة صغيرة معمولة من القصب في أرضية طينية..قصب وطين بهما بدأت وتشكلت شعرية الكون الأولى وهذه المعادلة أنتجت أول شاعرة في التأريخ وأول ملحمة ابداعية امتزج بها الخيال بالواقع وأول حضارة شكلت المخيال الأول للبشرية…الصريفة كوخ قصبي ومنجز سومري لولادة العقول حيث يقول أحد الفلاسفة:
العقول تولد في أكواخ الفقراء…!
في الصريفة ولد عقلي الابداعي وكانت أحلامي لا تتجاوز قاموس الجمال وأكثر ما أفكر به امرأة جميلة وقصيدة جميلة ومفردة قاموسية تترجم ايقاعي الحسي وتعبر عن لغة الجمال في كل شيئ.., كنت في الليالي الشاتية أقرأ في الصريفة ذات السقف المثقوب وعلى ضوء فانوس شاحب كنت أتحاور مع قاموسي (المهلّس) وكانت السماء تمطر والصريفة تخر وأنا ماض بحفظ المفردات وكنت أكتبها بقصاصات ورق صغيرة بقلم حبر أزرق أهدته لي احدى قريباتنا القادمة من الكويت تشجيعا لي لأني كنت الأول في دراستي الابتدائية…بقصاصات الورق وقلم الحبر الأزرق كنت أعمل قاموسي الخاص…كنت وما زلت أعشق اللون الأزرق ربما بسبب تأثير قاموس والدتي الروحي والشعبي.. وضعت خضرمة زرقاء أي تعويذة تبعد عني الحسد والشر فوق جيب سترتي الأيسر ربما لتحمي قلبي الغض من عيون الحسد وخاصة حسد النسوان. من يومها أصبح اللون الأزرق تعويذتي في سفري وربما ذات يوم أكتب تلك التفاصيل في رواية يكون بطلها سلمان الأزرق الذي هو أنا بشحمي ولحمي.
-٧-
شكل القاموس (المهلّس) الصغير الذي هو من فئة قاموس الجيب نقطة التحول في حياتي حيث شرعت بكتابة المفردات وحفظ معانيها وقد أفادني كثيرا في حفظ حروف الكلمات وفي ادراك المعاني و كذلك كان شاهدا على مرحلة مفصلية في حياتي وهي انتقالي من مرحلة الطفولة ودخولي في مرحلة المراهقة الأكثر حساسية في تجربتي الانسانية حيث كنت جاهدا احاول الامساك بخيوط الشعرية التي ابتليت بعذابها اللذيذ مراهقا وشابا وكهلا.
جعلتني والدتي أستنسخ الكثير من أوراق القاموس المهلّس في دفاتر صغيرة أعملها بيدي من قصاصات الدفاتر المدرسية واكبسها بدبابيس كابسة صغيرة ابتاعها لي أخي الأكبر. وعندما شرعت بالعمل في معامل الطابوق في العطلة الصيفية كنت أصطحب معي قاموسي الصغير الذي صنعته بيدي وأشرع بحفظ المفردات في أوقات الاستراحة. كنت أقود عربة يجرها حمار كان عمي يسميه (دعبل) وكنا نأخذ (اللِبِن) أي الطابوق الطازج قبل فخاره في مكان يسمى (البوجه) ونضعه في الشمس لكي يكتسب صفة اليباس وبعد ذلك ينقل الى البوجه ذات الدخان العالي والكثيف كي يفخر ويتحول من حالته الطينية الى الحالة الصلبة. كان المعمل يسمى (معمل سيد محيسن) وكانت وظيفة عملي تسمى (سوّاق) أي سائق عربة… كانت ملابسي تنقع بالدهون والنفط والزيوت الكثيفة وكانت حرارة تموز لاهبة ولا تطاق وكان العمل يستغرق ثمان ساعات يوميا تتخللها أوقات استراحة قليلة. وعندما اعود الى البيت في ذلك الصيف التموزي الجهنمي كانت والدتي تضع ملابسي في الطشت اذ كانت تقطر زيتا ودهنا ونفطا ومما لحق بها من أتربة وطين جراء عملي المباشر قريبا من ماكنة قص الطابوق. وكانت والدتي تضع ملابسي في الماء ولا تفتش الجيوب فيغرق قاموسي الورقي وتغرق معه المفردات التي كنت أجمعها وأكتبها في الليل على ضوء فانوسنا الشاحب.
كانت أمي تعيد الكرَّة كلما عملت قاموسا ورقيا جديدا وبهذه العملية كانت الوالدة الحنونة تقويني باللغة الانكليزية من حيث لا تشعر…!
-٨-
في مدرسة اعدادية الجمهورية للبنين أهداني أخي الأكبر قاموسا جديدا اسمه English Reader. كان القاموس هذه المرة (انكليزي-انكليزي). كان غلافه صلبا ولونه أزرق أيضا وقد ساهم هذا القاموس مساهمة كبيرة في حفظي للكثير من مفردات اللغة الانكليزية وقد تعلمت منه لفظ الكلمة Pronunciation، أو فن الكتابة الصوتية للحروف Phonetic Transcription وهنا تشكل لدي الوعي المبكر باللغة الانكليزية وبت أعشقها بذات نبرة العشق الخرافي للغتي الام اللغة العربية. هذا القاموس كون لدي قاعدة متينة استندت عليها في مرحلة الدراسة الجامعية.
عندما ذهبت الى بغداد ودرست في قسم اللغة الانكليزية في كلية التربية-جامعة بغداد كانت قواميس أمي ترافقني طيلة السنوات الأربع.. تفوقت بقواميس أمي وكنت الأول على كلية التربية والثالث على جامعة بغداد. درست الماجستير في كلية الاداب-جامعة بغداد وتخصصت في الادب الانكليزي-الشعر الانكليزي وكانت قواميس أمي ترافقني وتساعدني على تحمل أعباء تلك الرحلة المضنية. صرت استاذا جامعيا وقواميس أمي ترافقني كظلي. منحتني جامعة سدني الغربية Scholarship لاكمال الدكتوراه في الادب – الشعر الانكليزي وكانت قواميس أمي تفتح لي نوافذ الألق والبريق الابداعي. يوم أمس وأنا أعتلي منصة منحي شهادة الدكتوراه حيث كنت أجلس فوق خشبة المسرح المخصصة للVIP أي الشخصيات المهمة جدا وحيث كنت (أرطن) معهم بلغتهم تذكرت باعتزاز وفخر كبير نبوءة جدي (عيدان) في مضيف قريتنا الريفية (آل طعان) وتذكرت قواميسك يا أمي. بعد فضل الله الجليل العظيم الفضل يعود لنبوءة جدي الفلاح القروي الجنوبي ولقواميس صبرك ودمعك السومري يا أمي. الموكب الملكي والجمهور الذي يصفق بحرارة أثناء الحديث المقتضب عني كان ينحني اجلالا واكبارا لقواميسك يا أمي. انتابتني حالة من البكاء ممتزجة بنشوة فرح غامر اختصرت عمري كله. وهكذا فأن اللحظة الجمالية التي حصلت فيها على شهادة الدكتوراه من جامعة أجنبية رصينة كانت تعادل سنوات عمري كلها, لكن وكما يقول أحد الحكماء-الفلاسفة:
البطل يضحك والدموع في عينيه…!
كنت اشعر باحساس بطولي وأنا أعتلي خشبة المسرح لكن ثمة دموع في عيني كانت تنتمي لدال دمعتك ودال دللول يالولد ياابني دللول ودال داخل حسن عندما يصرخ بعويل سومري: يمه يا يمه ودال دريد لحام عندما كان يغني بوجع (يامو ست الحبايب يامووو) ووووالكثير من الدالات والدوال في حياتي. كنت أمني النفس بأن أهديك جمال هذه اللحظة في حياتك ولكن يا سيدة الدموع القروية خذلتيني برحيلك وأنا بعيد عنك في أقصى جنوب الأرض.., تلك المرة الاولى في حياتك التي خذلتي بها (غصن البان) طفلك الذي (عينه تصد للنسوان),وفعلا يا أمي كانت الاحتفالية مخصصة لثلاث نساء وولدك رابعهن وهنا أتساءل:
هل دال الدكتوراه تعادل دال دموعك القروية النبيلة؟!
ولذلك يا أمي عندما ينحني رأسي الذي يعتمر قبعة الاحتفال السوداء امام الأستاذة التي سلمتني الشهادة انما كان ينحني عرفانا لنبوءة جدي ولقواميسك يا أمي واسمحي لي الآن، يا بائعة اللولبياء العظيمة، أن أهدي روحك الطاهرة دموع الدكتوراه….!

15-9-2015
سدني/استراليا

  • ملاحظة: التاريخ أعلاه هو يوم احتفال جامعة سيدني بمنحنا شهادة الدكتوراه والحمد والشكر والثناء لله وحده أولاً و أخيراً.

أخر المقالات

منكم وإليكم