كتبت المراسلة الصحفية المتألقة المقيمة في باريس: لَعْنايَة خليفة أمينة، وقد تفاعلت مساء ذلك اليوم الجميل الحافل في قاعة الشريف الإدريسي بالمعرض الدولي للكتاب يوم 06 مايو 2026، الذي خُصِّصَتْ حصة منه لموضوعة:”شعراء يكتبون سيرهم”. وهم صلاح الوديع، وعبد السلام المساوي، ومحمد بودويك. كتبت كلمة رقيقة في حق مداخلتي، ترشح تفاعلا أدبيا وإنسانيا صادقا. وللإشارة، فقد سبق أن عبرت أمينة الناشطة الإعلامية والثقافية والاجتماعية، عن التفاعل إياه بلغة فرنسية أنيقة وعميقة لحظة انتهاء الندوة مساءً، وانصرافنا إلى همومنا اليومية. وهي الكلمة التي دونتها على صفحتها في الإبّان، كما سعدت بمقاسمتها على صفحتي غِبَّ التدوين.
وها هي ذي تعود بكلمة صاغتها بلغة عربية بديعة، وإحساس مرهف، وتفاعل إنساني ندر في أيامنا. فلها مني خالص الشكر والامتنان.
*****
محمد بودويك… الكاتب الذي يجعل من الحياة أدبًا ومن الذاكرة وطنًا داخليًا
——-
هناك كتّاب نقرأ لهم فنُعجب بأسلوبهم، وهناك آخرون نلتقيهم صدفةً فيتركون داخلنا أثرًا يتجاوز الكتب والكلمات. ومن هذا النوع الأخير كان اكتشافي للكاتب المغربي محمد بودويك خلال فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، في لقاء لم يكن عاديًا، بل بدا وكأنه لحظة أدبية وإنسانية أعادت ترتيب شيء خفي في داخلي.
في قاعة امتلأت بالحضور والإنصات، تحدّث محمد بودويك عن كتابة السيرة الذاتية، لكن حديثه لم يكن أكاديميًا باردًا أو محصورًا في تقنيات السرد. كان يتحدث عن الإنسان، وعن الذاكرة، وعن الجراح الصغيرة التي تتحول مع الزمن إلى مادة أدبية، وعن الحياة حين تصبح قابلة للكتابة، لا لأنها مثالية، بل لأنها مليئة بالهشاشة والتناقضات والحنين.
كان يتحدث بهدوء العارف بأن الكتابة ليست مجرد موهبة، بل شكل من أشكال النجاة الداخلية. وفي كل جملة كان يفتح بابًا خفيًا نحو أسئلة أعمق: كيف نحفظ ذاكرتنا؟ كيف نمنح المعنى لما عشناه؟ وكيف تتحول التفاصيل الصغيرة التي يظنها الناس عابرة إلى أدب يبقى؟
ما شدّ الانتباه في شخصية محمد بودويك ليس فقط ثقافته الواسعة أو حضوره الهادئ، بل تلك الإنسانية النادرة التي تسكن طريقته في الكلام. فهو لا يتحدث ككاتب متعالٍ على جمهوره، بل كإنسان عاش كثيرًا، وتأمل كثيرًا، وفهم أن الأدب الحقيقي يولد من الإصغاء إلى الحياة أكثر مما يولد من الرغبة في الظهور.
وخلال حديثه، استحضر الكاتب بكل وفاء وامتنان اسم صديق طفولته الأستاذ عبد الرحمان طنكول، في لحظة مؤثرة كشفت جانبًا عميقًا من شخصيته. لم يكن مجرد ذكر عابر لاسم صديق قديم، بل كان حديثًا يحمل دفئًا إنسانيًا نادرًا عن الصداقة والذاكرة والأشخاص الذين يتركون أثرهم في تكويننا الداخلي.
في تلك اللحظة تحديدًا، بدا واضحًا أن محمد بودويك لا يكتب فقط عن الأشخاص، بل يحملهم معه داخل كلماته. وكأن الأدب عنده وسيلة لحماية الوجوه التي أحبها الزمن من النسيان. وربما هنا تكمن قوة الكتابة الحقيقية: أن تمنح الغياب شكلًا من أشكال البقاء.
كما بدا جليًا أن الكتابة عنده ليست صورة ثقافية أو مكانة اجتماعية، بل امتداد طبيعي لرؤية إنسانية عميقة. فهو ينظر إلى الأدب كما ينظر البعض إلى البحر؛ بإعجاب، واحترام، وإدراكٍ أن لا أحد يستطيع امتلاك اتساعه بالكامل.
وربما لهذا السبب تترك كلماته أثرًا خاصًا لدى من يستمع إليه؛ لأنه لا يقدم الأدب بوصفه فنًا للنخبة فقط، بل بوصفه طريقة لفهم الذات والعالم. وكأنه يقول، بطريقة غير مباشرة، إن كل إنسان يملك داخله حكاية تستحق أن تُروى، حتى وإن كُتبت في صمت، داخل دفاتر صغيرة لا يقرأها أحد.
ينتمي محمد بودويك إلى ذلك النوع من الكتّاب الذين لا يفرضون أنفسهم بالصخب، بل بالحضور الهادئ والعميق. فكتابته تشبه ذاكرة تمشي ببطء، وتلتقط ما ينساه الآخرون: التفاصيل الصغيرة، والهشاشة الإنسانية، والحنين، والصمت الذي يختبئ خلف الكلمات.
وما يجعل أثره مختلفًا أنه لا يمنح القارئ أجوبة جاهزة، بل يمنحه شعورًا نادرًا بأن الكتابة يمكن أن تكون مساحة للمصالحة مع الذات. لذلك فإن لقاءه لا يشبه مجرد حضور ندوة أدبية، بل يشبه اكتشاف باب داخلي ظلّ مواربًا منذ زمن.
لقد أعاد محمد بودويك التذكير بفكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، أن الأدب الحقيقي لا يولد دائمًا من الأحداث الكبرى، بل من تلك اللحظات الصغيرة التي تلامس الإنسان بصمت، وتغيّر شيئًا داخله إلى الأبد.
بقلم :لعناية خليفة أمينة.


