كتبت: غني العواد..عن الأستاذ الدكتور: محمد صابر عبيد. قامةٌ نقدية عربية شامخة حملت مشعل المعرفة وأضاءت دروب الإبداع.

الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد
قامةٌ نقدية عربية شامخة حملت مشعل المعرفة وأضاءت دروب الإبداع
في مسيرة الثقافة العربية المعاصرة تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تجمع بين عمق المعرفة وسعة الرؤية وجمال الإبداع، وأن تحفر حضورها في الذاكرة الثقافية بجهدٍ دؤوب وعطاءٍ متواصل. ومن بين هذه القامات السامقة يتألق اسم الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد، بوصفه واحدًا من أبرز النقاد العرب الذين أسهموا في صياغة الوعي النقدي الحديث، وأغنوا المكتبة العربية بمشروعات فكرية وإبداعية تركت أثرها الواضح في الأجيال المتعاقبة من الباحثين والدارسين.
إن الحديث عن الدكتور محمد صابر عبيد ليس حديثًا عن ناقد أكاديمي فحسب، بل عن مشروع ثقافي متكامل جمع بين الناقد والمفكر والشاعر والباحث، واستطاع أن يمدّ جسورًا متينة بين التراث والحداثة، وأن يجعل من النقد الأدبي مساحةً رحبة للحوار والمعرفة واكتشاف الجمال.
وُلِد الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد عام 1955 في ناحية زمّار التابعة لمحافظة الموصل، ونشأ في بيئةٍ أسهمت في تكوين شخصيته العلمية والثقافية. حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث والنقد من جامعة الموصل عام 1991، ونال مرتبة الأستاذية عام 2000، ليبدأ بعدها رحلة أكاديمية حافلة بالعطاء والتميّز.
عمل أستاذًا للنقد الأدبي الحديث في الدراسات الأولية، وأستاذًا للنظرية النقدية والمناهج الحديثة والنقد التطبيقي في الدراسات العليا بجامعات الموصل وتكريت ويُوزنجو ييل التركية، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين والنقاد الذين تتلمذوا على يديه واستفادوا من خبرته العلمية الواسعة.
كما أشرف على عشرات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وشارك في مناقشة العديد منها داخل العراق وخارجه، وأسهم في أكثر من مائة مؤتمر وملتقى وندوة علمية وثقافية عربية ودولية، فضلًا عن نشره ما يزيد على خمسين بحثًا علميًا محكمًا، ومئات المقالات والدراسات النقدية والفكرية في المجلات والصحف والدوريات العربية المتخصصة.
وشغل منصب الأستاذ المتمرّس في كلية التربية الأساسية بجامعة الموصل، واختير محكمًا في العديد من المسابقات الأدبية العربية، وعضوًا في هيئات استشارية لمجلات ثقافية وأدبية مرموقة، فضلًا عن عضويته في عدد من الاتحادات والمؤسسات الثقافية العربية والدولية، منها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، واتحاد الكتاب العرب، ورابطة القلم الدولية، إلى جانب كونه عضوًا مؤسسًا في جماعة المشروع النقدي الجديد في العراق.
وقد تُوِّجت مسيرته العلمية والإبداعية بعدد كبير من الجوائز والتكريمات الرفيعة، من أبرزها:
الجائزة الأولى في مسابقة الشارقة للإبداع العربي عام 1998 عن كتابه السيرة الذاتية الشعرية.
جائزة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في النقد الأدبي عام 2000.
جائزة الدولة التقديرية للإبداع في النقد الأدبي عام 2002.
جائزة الإبداع في مسابقة ناجي نعمان العالمية في بيروت عام 2009.
جائزة المونودراما التقديرية عن مسرحية حياة الشاعر عام 2015.
جائزة الإبداع العراقي في النقد الأدبي والتطبيقي عام 2015.
جائزة الطيب صالح للنقد الأدبي عام 2019.
جائزة صحار للدراسات النقدية في سلطنة عُمان عام 2021.
ويُعد الدكتور محمد صابر عبيد من أكثر النقاد العرب غزارةً في الإنتاج العلمي والإبداعي، إذ تجاوزت مؤلفاته المئة كتاب توزعت بين النقد الأدبي، ونقد الشعر والسرد، والنظرية النقدية، والدراسات الثقافية، فضلًا عن الشعر والرواية والسيرة الذاتية والمقالة الفكرية. وقد تحولت مؤلفاته إلى مراجع علمية معتمدة في العديد من الجامعات العربية، فيما خُصصت لدراسة تجربته أطاريح ورسائل أكاديمية في جامعات عربية وعالمية، وهو ما يعكس حجم تأثيره ومكانته في المشهد الثقافي العربي.
لقد نجح الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد في بناء مشروع نقدي رصين، اتسم بالعمق والاتزان والانفتاح على المناهج الحديثة، دون أن يفقد صلته بجذور الثقافة العربية وأصالتها. فكان صوتًا نقديًا واعيًا، وقلمًا معرفيًا مسؤولًا، وعلامةً مضيئة في سماء الفكر العربي.
وإذا كانت الأمم تُقاس بما تنجبه من علماء ومفكرين ومبدعين، فإن الدكتور محمد صابر عبيد يمثل واحدًا من الوجوه الثقافية المشرقة التي رفعت اسم العراق عاليًا في المحافل العربية والدولية. وستبقى منجزاته العلمية والإبداعية شاهدًا خالدًا على رحلة استثنائية من العطاء، وسفرًا معرفيًا زاخرًا بالجمال والرؤية والوعي، ينهل منه الباحثون اليوم، وسيظل معينًا للأجيال القادمة في المستقبل.

اعداد: غني العواد

أخر المقالات

منكم وإليكم