ليس كل ألم تشعر به أثناء التشافي يعني أنك تتألم من جديد بسبب الصدمة، فقد يكون بعضه مرتبطًا بخروجك من الحالة التي اعتدت العيش داخلها.
يعتقد كثير من الناس أن التحرر من الصدمة النفسية لا بد أن يكون مصحوبًا بشعور فوري بالراحة والطمأنينة، وأن الإنسان بمجرد أن يبدأ بتحرير مشاعره المكبوتة والتخفف من آثار تجاربه القديمة، سيشعر وكأن حملًا ثقيلًا قد أُزيح عن صدره.
وهذا قد يحدث بالفعل، ولكنه ليس الصورة الوحيدة للتعافي.
ففي بعض الأحيان، قد تكون مرحلة التشافي مؤلمة أكثر من المرحلة التي كان فيها الشعور المسيطر قائمًا، ليس لأن الإنسان أصبح أسوأ مما كان عليه، وإنما لأنه بدأ يلامس مشاعر وأحاسيس كان قد اعتاد كبتها أو تجنبها أو التعايش مع وجودها دون أن ينتبه إليها.
دعوني أقرّب لكم الفكرة بمثال بسيط.
تخيّلوا أن يد إنسان بقيت مشدودة ومقيّدة في وضعية واحدة مدة طويلة. مع مرور الوقت، يعتاد صاحبها على هذا الوضع، وتصبح محدودية الحركة جزءًا من حياته اليومية، حتى إنه قد يتوقف عن الانتباه إلى مقدار التقييد الذي تعيشه يده.
ولكن ماذا يحدث عندما نحرّر هذه اليد من قيدها؟
هل تعود فورًا إلى حركتها الطبيعية دون أي انزعاج؟
ليس بالضرورة. فقد يشعر صاحبها بالتيبس والألم عند محاولة تحريكها من جديد. وربما تكون بعض الحركات البسيطة التي كانت سهلة قبل التقييد مؤلمة في البداية، لأن اليد تحتاج إلى وقت حتى تستعيد مرونتها وحركتها.
وهنا أريد أن أطرح عليكم سؤالًا:
أي الحالتين أقرب إلى طبيعة اليد الحقيقية؟ هل بقاؤها مشدودة ومقيّدة، أم تحررها واستعادة قدرتها على الحركة؟
بالتأكيد، التحرر هو الأقرب إلى طبيعتها، حتى لو رافق استعادة الحركة بعض الألم.
وهذا المثال يساعدنا على فهم جانب مهم من التعافي النفسي.
فالإنسان الذي عاش سنوات طويلة تحت سيطرة الخوف، أو الشعور بالذنب، أو الخزي، أو الغضب، قد يبني طريقة كاملة في التفكير والتصرف تحميه من مواجهة بعض الآلام الداخلية. ومع الوقت تصبح هذه الطريقة مألوفة لديه، حتى لو كانت تقيّد حريته في التعبير والاختيار والتفاعل مع الحياة.
وعندما يبدأ العمل على صدماته، وإعادة النظر في معتقداته، والتخفف من أساليب الحماية القديمة، قد يجد نفسه أمام مشاعر لم يعتد السماح لها بالظهور. قد يبكي أكثر، أو يشعر بحزن كان يتجنبه، أو يلاحظ خوفًا لم يكن يدرك مدى حضوره في حياته.
وهنا قد يظن أنه تراجع، بينما قد يكون في الحقيقة بدأ يلاحظ ما كان موجودًا بداخله من قبل، ولكنه لم يكن قادرًا على الاقتراب منه.
ولكن هناك فرقًا مهمًا بين الألم الذي قد يرافق التعافي، وبين المعاناة التي تتجاوز قدرة الإنسان على الاحتمال. فالتشافي لا يتطلب أن نعذّب أنفسنا، ولا أن نغرق في مشاعرنا، وليس كل ألم دليلًا على أننا نسير في الاتجاه الصحيح. أحيانًا نحتاج إلى التمهّل، وإعادة بناء الإحساس بالأمان، ومنح جهازنا العصبي فرصة لاستيعاب التغيير.
فالهدف من التحرر ليس أن نستبدل قيدًا نفسيًا بمعاناة جديدة، وإنما أن نستعيد تدريجيًا قدرتنا على الشعور والتفكير والاختيار دون أن تبقى تجارب الماضي هي التي تقود حياتنا.
تذكّروا دائمًا أن اعتياد الإنسان على حالة نفسية معينة لا يجعلها بالضرورة حالته الطبيعية، كما أن شعوره ببعض الألم أثناء التغيير لا يعني بالضرورة أن التغيير خاطئ.
وأحيانًا لا يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه على أنفسنا: لماذا أتألم وأنا أتعافى؟
بل: هل أنا أتألم لأنني ما زلت داخل القيد، أم لأنني بدأت أتعلم كيف أعيش خارجه؟
#روان_غازي


