مقالة رائعة من الاستاذة نادية عبد الحليم عن معرض “المدينة” في مجلة الواحة – الاهرام المسائي
الف الف شكر علي القراءة الرائعة
قبل أن يتأمل زائر معرض “المدينة” للفنان أيمن لطفى تفاصيل الأعمال المعلقة على الجدران، يستوقفه مجسم ضخم لإنسان يبدو مثقلاً بالقيود، بينما تنبثق من رأسه الزهور فى مفارقة تجمع بين القسوة والأمل.
وكأن الفنان يضع مفتاح القراءة منذ اللحظة الأولى؛ فالرحلة التى يقترحها هنا ليست إلى مدينة من الخرسانة والزجاج، بقدر ما هى إلى الإنسان نفسه وهو يحاول العثور على مكانه وسط عالم يتغير سريعاً.
فى معرضه الجديد المقام بجاليرى الزمالك للفن، يواصل لطفى إنشغاله بالأسئلة الإنسانية التى رافقت تجربته طوال سنوات، لكنه يقترب هذه المرة من المدينة بوصفها مرآة للتحولات الاجتماعية والنفسية التى يعيشها الإنسان المعاصر، لا باعتبارها مجرد فضاء عمرانياً أو خلفية للأحداث.
الإنسان أولاً
من يتابع مسيرة أيمن لطفى يلاحظ أن الإنسان ظل دائماً محور مشروعه الفني؛ ففى أعماله السابقة، كما فى مشاركاته الدولية، لم يكن منشغلاً بالشكل بقدر انشغاله بما يدور خلفه من مشاعر وهواجس وأسئلة وجودية. ومن هنا تبدو “المدينة” امتداداً طبيعياً لهذا المسار، وإن كانت المدينة نفسها تتحول إلى شخصية رئيسية داخل الحكاية.
لا يقدم الفنان مشاهد مباشرة لشوارع أو أحياء بعينها، بل يستدعى إحساساً مألوفاً لدى كثيرين؛ ذلك الشعور الخفى بالغربة رغم البقاء فى المكان ذاته.
فالأماكن التى احتفظت طويلاً بملامح أصحابها تتبدل، والذكريات التى كانت تسكن الجدران تتوارى، فيما تتشابه المدن شيئاً فشيئاً حتى تكاد تفقد خصوصيتها.
حين تفقد المدن ذاكرتها
لا يخفى المعرض حنينه إلى زمن كانت فيه البيوت أكثر من مجرد مبانٍ للسكن، كانت تحمل حكايات أصحابها وتفاصيل حياتهم اليومية، بينما كانت العلاقات الإنسانية تشكل جزءاً من نسيج المكان نفسه.
أما اليوم فيرصد لطفى عالماً تحكمه البوابات الإلكترونية والأسوار العالية والأنماط العمرانية المتشابهة، حيث تتراجع ملامح الاختلاف التى كانت تمنح كل مدينة شخصيتها الخاصة.
هنا لا يهاجم الفنان الحداثة، لكنه يتوقف أمام أثرها على الإنسان، متسائلاً عما إذا كانت الراحة المادية قد جاءت أحياناً على حساب الدفء الإنساني.
الفوتوغرافيا كأداة للتأمل
منذ سنوات طويلة نجح أيمن لطفى فى ترسيخ مكانة الفوتوغرافيا التشكيلية داخل الحركة الفنية المصرية، متجاوزاً المفهوم التقليدى للصورة بوصفها أداة للتوثيق.
فالصورة عنده مشروع بصرى كامل يبدأ بفكرة ويعبر مراحل من التخطيط والبناء والتجريب قبل أن يصل إلى شكله النهائي.
وفى “المدينة” تتجلى هذه الرؤية بوضوح. فالأعمال لا تكتفى بعرض مشهد أو موقف، وإنما تفتح المجال أمام المتلقى لصياغة قراءته الخاصة.
تتداخل الرموز مع العناصر السيريالية، بينما تتحول الإضاءة والتكوين إلى جزء من السرد البصرى الذى ينسج حكايته بهدوء.
بين الواقع والحلم
عرفت تجربة لطفى بميلها إلى السيريالية بوصفها لغة تسمح له بتجاوز الواقع المباشر نحو ما هو أبعد وأعمق. وفى هذا المعرض تبدو هذه اللغة أكثر هدوءاً ونضجاً، إذ لا تستخدم الغرائبية لذاتها، بل لخدمة الفكرة الأساسية التى تدور حول علاقة الإنسان بمكانه وذاكرته.
فالمدينة التى يقدمها ليست مدينة واقعية بالكامل، وليست مدينة متخيلة تماماً، بل مساحة تقع بين الاثنين، حيث تتجاور الذكريات مع المخاوف، ويختلط الحنين بالرغبة فى التغيير.
إسئلة بلا إجابات جاهزة
ما يميز المعرض أنه لا يقدم أحكاماً نهائية أو رسائل مباشرة؛ فالفنان يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات : هل ما زلنا نعيش فى المدن نفسها التى عرفناها؟ وهل يمكن للمدينة أن تحتفظ بروحها وسط التحولات المتلاحقة؟ وأين يقف الإنسان داخل هذا المشهد المتغير؟
تظل هذه الأسئلة معلقة بين الأعمال، فيما يترك لطفى للمتلقى حرية البحث عن إجاباته الخاصة، وربما هنا تكمن قوة “المدينة ” باعتبارها تأملاً بصرياً فى الذاكرة والانتماء وما يتبقى من روح المكان حين تتبدل ملامحه.
وفى هذا المعرض يؤكد أيمن لطفى مرة أخرى أن الفوتوغرافيا قادرة على أن تكون لغة فكرية وجمالية فى آن واحد، وأن الصورة يمكن أن تروى حكايات عن الإنسان لا تقل عمقاً عن تلك التى يرويها الأدب أو الشعر، خصوصاً عندما تصبح المدينة نفسها سؤالاً مفتوحاً عن الهوية والحنين والمعنى.
Naheda El Khoury
Nadia Abdelhalim
Zamalek Art Gallery


