كتب:تركي المصطفى.عن السوري فرحان المطر: سيرة مثقف بين الإعلام والانشقاق والإخراج الوثائقي.


فرحان المطر: سيرة مثقف سوري بين الإعلام والانشقاق والإخراج الوثائقي
تركي المصطفى
وُلد عام 1956، أي أنه عاش العقود التي صنعت سوريا الحديثة ثم فككتها. عمل معدَّ برامج في التلفزيون السوري خلال الفترة 2004–2011، ثم جاءت اللحظة التي أعلن فيها استقالته وانشقاقه عن الإعلام الرسمي مع انطلاق الثورة السورية. وهكذا نجد أنفسنا أمام تجربة مركبة: قصة قصيرة، وإعداد تلفزيوني، وتحليل سياسي، ومنفى، وكاميرا وثائقية. وهذا كله، في تقديري، يستحق دراسة لا لأن صاحبه صنع حدثًا استثنائيًا، بل لأن مساره يكشف شيئًا من مسار جيل كامل.
أولًا: التكوين والمسار المهني قبل 2011
النشأة والكتابة الأدبية
وُلد فرحان المطر في الرقة ومن الرقة، هذه المدينة التي كانت إلى وقت قريب على هامش الصورة، ثم صارت في قلب المأساة، خرجت تجربته الأولى. بدأ أدبيًا قبل أن يدخل عالم التلفزيون. له ثلاث مجموعات قصصية: «تفاصيل اللقاء»، و«ما يدعو للهذيان»، و«عين واحدة تكفي»، إضافة إلى مشاركته في مجموعة قصص قصيرة جدًا بعنوان «بروق». وكان عضوًا في اتحاد الكتاب العرب ضمن جمعية القصة والرواية. وهذه نقطة مهمة، لأنها تعني أن انتماءه الأول كان إلى الكلمة المكتوبة لا إلى الصورة. وهذا ما سيفسر لاحقًا، في تقديري، طريقة تعامله مع الكاميرا حين جاءت.
الإعداد التلفزيوني والأفلام الوثائقية:
انخرط المطر في العمل التلفزيوني معدًّا للبرامج في الفضائية السورية، وأنجز عددًا من الأفلام الوثائقية، منها «رحلة الحب المريمية»، و«أعمدة الشمس»، و«غزة»، و«الرقة رحلة حياة». كما أنجز برامج تلفزيونية خاصة مثل «مسلمون ومسيحيون معًا»، و«حوار خاص مع ناشطة السلام الأمريكية آنا بالتز»، و«برنامج الإبداع الروائي»، إضافة إلى أفلام تسجيلية بالتعاون مع المجموعة الأوروبية.
هذه المرحلة تكشف عن مخرج وثائقي مبكر، يعمل داخل المؤسسة الإعلامية الرسمية، لكنه يستخدم الكاميرا لرصد الإنسان والمكان أكثر مما يستخدمها لأغراض الدعاية. وفيلمه «الرقة رحلة حياة» يحمل بذور ما سيتطور لاحقًا إلى اهتمام عميق بالمدينة التي وُلد فيها. ولا أريد أن أبالغ، لكن يبدو لي أن الرجل كان يحتفظ لنفسه بمساحة من الصدق داخل إطار لم يكن في مجمله إطار صدق.
ثانيًا: لحظة الانشقاق وتحوّل المسار
الاستقالة والانتقال إلى مصر:
في 24 حزيران/يونيو 2011، أعلن فرحان المطر استقالته من عمله في التلفزيون العربي السوري ومن عضوية اتحاد الكتاب العرب، احتجاجًا على «الدور الذي يمارسه [التلفزيون] من خلال الكذب والتضليل والفبركة والتجييش الأعمى ضد الشعب ومطالبه بالحرية والكرامة، وتغطيته المستمرة وتبريره لجرائم النظام». كان هذا البيان واحدًا من أوائل بيانات الانشقاق الإعلامي في سوريا، وقد منحه موقعًا في صفوف المعارضة السياسية والثقافية.
بعد استقالته، انتقل إلى مصر حيث عمل مراسلًا لموقع «أورينت نت» في القاهرة، وشارك كمحلل سياسي في الشأن السوري على عدد من المحطات الفضائية. وخلال هذه الفترة، ظل حاضرًا في النقاش العام كصوت معارض، ورفض مبادرات الحل التي يكون فيها دور لإيران، معتبرًا أن الثقة بها غير ممكنة. وهذه أيضًا نقطة تستحق التوقف، لأنها تعني أن الرجل لم يكن يبحث عن موقع في لعبة إقليمية، بل كان يريد أن يبقى صوته قريبًا من قضية الناس.
اللجوء إلى فرنسا والتحول إلى الإخراج الوثائقي المستقل:
بعد المضايقات التي تعرض لها السوريون المعارضون في مصر عقب انقلاب 2013، لجأ المطر إلى فرنسا في حزيران 2014 بمساعدة منظمة «مراسلون بلا حدود»، حيث حصل على اللجوء السياسي. استقر في مدينة شارلفيل-ميزيير في منطقة الأردين، وهناك بدأ فصلًا جديدًا في حياته: اشترى تدريجيًا معدات التصوير وتعلّم بنفسه التصوير والمونتاج، ليدخل عالم الإخراج الوثائقي المستقل. وهكذا، من رحم المنفى، وُلد المخرج من جديد. والمسألة ليست أن الرجل تعلّم صناعة الأفلام، بل أن المنفى أعطاه موضوعًا لم يكن يملكه من قبل: الإنسان السوري خارج وطنه.
ثالثًا: «خطوة نحو الضوء» – التجربة الإخراجية الناضجة
سياق الفيلم ومضمونه:
في أبريل 2026، عرض فرحان المطر فيلمه الوثائقي «خطوة نحو الضوء» في مدينة شارلفيل-ميزيير. الفيلم الذي تبلغ مدته ثلاثين دقيقة، يمنح الكلمة لأربعة من السوريين المنفيين في هولندا وألمانيا، الذين يتحدثون عن تجربة المنفى وصعوبات الاندماج في بلدان الاستقبال. والعنوان نفسه يحمل دلالة مزدوجة: الخطوة التي خطاها السوريون حين غادروا بلدهم فرارًا من نظام الأسد، والخطوة الداخلية نحو إعادة اكتشاف الذات في المنفى.
قراءة نقدية في الأسلوب الإخراجي:
ما يميز «خطوة نحو الضوء» هو اختياره الجمالي والأخلاقي الواعي: لا يتكئ على الحدث بقدر ما يتكئ على الإنسان، ولا يسعى إلى استعراض الحكاية بل إلى الإصغاء لها. ينجح المطر في خلق حالة من الحميمية النادرة، حيث تبدو الشهادات كأنها تُهمس في أذن صديق لا تُلقى على جمهور. وهذا التحول من «الخطاب» إلى «الاعتراف» هو ما يمنح الفيلم ثقله الحقيقي.
دراميًا، يشتغل الفيلم على تصاعد هادئ لكنه محكم: يبدأ من أثر الحرب كخلفية ممتدة في الوعي الجمعي، ثم يتقدم نحو فكرة الهروب بوصفها تحولًا داخليًا لا مجرد فعل مكاني، ليصل إلى ذروة مشحونة في لحظة الرحلة، قبل أن ينفتح على لحظة الوصول كإعادة تشكّل. هذا البناء السردي يكشف عن حس درامي متطور لدى مخرج جاء من عالم الكتابة القصصية، حيث يعرف كيف يبني القوس السردي ويعرف متى يصمت.
ورغم بعض الملاحظات التقنية، خصوصًا في محدودية استخدام الصوت الحي والمؤثرات في لحظات الذروة، يبقى الفيلم متماسكًا وصادقًا وقادرًا على ملامسة المشاهد بهدوء وعمق. وهذا يؤكد، في تقديري، أن قوة الوثائقي تكمن أحيانًا في صوته الهادئ لا في صخبه.
رابعًا: فرحان المطر بين الإعلام والكتابة والإخراج
المثقف العضوي في ثلاث مراحل:
يمكن تقسيم مسيرة فرحان المطر إلى ثلاث مراحل كبرى:
المرحلة الأولى (قبل 2011): مثقف يعمل داخل المؤسسة، يكتب القصة القصيرة ويعدّ البرامج وينجز الأفلام الوثائقية ضمن إطار رسمي، لكنه يحتفظ بمساحة من الصدق في تناول الإنسان والمكان.
المرحلة الثانية (2011–2014): مثقف معارض، يتحول من الإعلام الرسمي إلى الإعلام البديل، ومن الكتابة الأدبية إلى التحليل السياسي، ويكون صوته جزءًا من الحراك الثوري.
المرحلة الثالثة (2014–الآن): مثقف منفى، يعيد اكتشاف أدواته التعبيرية من جديد، ويتحول إلى مخرج وثائقي مستقل، يستخدم الكاميرا لا لتوثيق الحدث الكبير بل للإصغاء إلى الإنسان الصغير، إلى صوت المنفي الذي لا يُسمع عادة.
من الكتابة إلى الكاميرا: خيط ناظم
هناك خيط ناظم يربط بين مراحل المطر الثلاث: اهتمامه بالإنسان العادي وأصواته المهمشة. في قصصه القصيرة، كان يكتب عن الرقة وأهلها؛ وفي برامجه التلفزيونية، كان يسلط الضوء على مبدعين لم يكونوا قادرين على الظهور دون وجوده؛ وفي فيلمه الوثائقي الأخير، يمنح الكلمة لمن لا صوت لهم. هذا الاهتمام الثابت يجعل من تجربته، رغم تنوعها، تجربة متماسكة أخلاقيًا وجماليًا.
خاتمة: موقع فرحان المطر في المشهد الثقافي السوري
فرحان المطر ليس مخرجًا سينمائيًا بالمفهوم المهني الضيق، بل هو مثقف عضوي انتقل بين أشكال التعبير المختلفة بمرونة نادرة: القصة القصيرة، الإعداد التلفزيوني، التحليل السياسي، والإخراج الوثائقي. وتجربته في «خطوة نحو الضوء» تكشف عن مخرج وثائقي ناضج، اختار البساطة منهجًا والحميمية أسلوبًا، وأثبت أن المخرج الذي جاء من الكتابة يعرف كيف يصنع صمتًا أبلغ من الكلام. وربما يكون هذا الصمت، في زمن الصخب، هو أعلى أشكال الإخراج.
#سوريات_souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم