
لوحة رسمت عام 1889 لبول غوغينرسام مات منسياً في جزيرة نائية.. ولوحاته اليوم تساوي ثروات
العربية.نت – فرنسا – طه عبد الناصر رمضان
رسام مات منسياً في جزيرة نائية.. ولوحاته اليوم تساوي ثروات
يزخر تاريخ الفن بأسماء رسامين لم ينالوا التقدير خلال حياتهم، فعاش كثير منهم الفقر والعزلة وعجزوا عن بيع أعمالهم بأسعار مجزية، قبل أن تتحول لوحاتهم بعد وفاتهم إلى كنوز فنية تباع بمئات ملايين الدولارات في المزادات العالمية.
ومن أبرز هؤلاء الرسام الهولندي فنسنت فان غوخ، الذي لم يحقق مكاسب تُذكر من أعماله الفنية خلال حياته، وكذلك الرسام الفرنسي بول غوغين، أحد أبرز معاصريه. فعلى غرار فان غوخ، عانى غوغين اضطرابات نفسية وأزمات مالية متكررة، ولم يتمكن من تحقيق ثروة من فنه، لينتهي به المطاف بعيداً عن موطنه فرنسا.

بول غوغين عام 1891
مسيرة غوغين وتوجهه للرسم
وُلد بول غوغين في باريس يوم 7 يونيو (حزيران) 1848، وقضى جزءاً من طفولته في بيرو قبل أن يعود إلى فرنسا ويستقر بمدينة أورليان. تلقى تعليماً تقليدياً في مدرسة دينية، ثم التحق بالبحرية الفرنسية، ما أتاح له السفر إلى مناطق عدة، خصوصاً في أميركا الجنوبية.
وخلال سبعينيات القرن التاسع عشر، عمل غوغين سمساراً في سوق الأوراق المالية وحقق نجاحاً مادياً لافتاً، لكنه كان يمارس الرسم كهواية في أوقات فراغه. ومع مرور الوقت، ازداد شغفه بالفن وبدأ يشارك في المعارض الفنية، حيث عرض أعماله في “صالون باريس” عام 1876، كما شارك في معارض مرتبطة بالحركة الانطباعية.
غير أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت فرنسا عام 1882 غيّرت مسار حياته، إذ خسر جزءاً كبيراً من مكانته المالية وقرر التفرغ للرسم. ومع تدهور أوضاعه المعيشية، غادرت زوجته وأبناؤه إلى الدنمارك، بينما بقي وحيداً في فرنسا لملاحقة حلمه الفني.
بول غوغين وزوجته في الدنمارك عام 1885
خلاف مع فنسنت فان غوخ
سنة 1888، التقى غوغين بفنسنت فان غوخ في مدينة آرل الفرنسية بوساطة شقيق الأخير، تيو فان غوخ، العامل في تجارة الأعمال الفنية. وسرعان ما نشأت صداقة بين الرسامين، إلا أن الخلافات بينهما أدت إلى مغادرة غوغين المدينة في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، في واقعة ارتبطت لاحقاً بالأزمة النفسية التي دفعت فان غوخ إلى قطع جزء من أذنه.
ولم يكن غوغين راضياً عن حياته في أوروبا التي رأى أنها مصدر أزماته المالية، فقرر عام 1891 الانتقال إلى جزيرة تاهيتي في بولينيسيا الفرنسية. ولتمويل رحلته، باع عدداً من لوحاته بأسعار متواضعة، قبل أن يبدأ هناك المرحلة الأشهر في مسيرته الفنية، حيث رسم أعمالاً بارزة مثل “لا أورانا ماريا” و”ماتا موا” مستلهماً حياة السكان المحليين.

لوحة امرأة تحمل زهرة لبول غوغين عام 1891
جدل واسع
رغم شهرته الفنية المتنامية، أثار غوغين جدلاً واسعاً بسبب علاقاته بفتيات قاصرات من السكان الأصليين، كما تعرض لانتقادات بسبب الطريقة التي صوّر بها مجتمع تاهيتي في أعماله الفنية. وبعد عودته إلى فرنسا لفترة قصيرة، انتقل إلى جزر ماركيساس في بولينيسيا الفرنسية، حيث واصل إثارة الجدل حتى وفاته عام 1903.
وتوفي في 8 مايو (أيار) 1903 عن عمر ناهز 54 عاماً، ويرجح معظم المؤرخين أن سبب الوفاة كان مرض الزهري. وفي سنواته الأخيرة، عانى الفقر والعزلة وتدهور حالته الصحية، ولم يترك وراءه سوى مبلغ متواضع قُدّر بنحو 1300 فرنك فرنسي.

لوحة بعنوان السيدة غوغين للرسام بول غوغين
ثم بعد وفاته، بيعت لوحاته ومقتنياته بأسعار تراوحت بين 100 و250 فرنكاً للوحة الواحدة، ولم تحصل عائلته إلا على نحو 4 آلاف فرنك من إجمالي التركة. غير أن قيمة أعماله ارتفعت بشكل هائل مع مرور العقود، لتصبح من بين الأغلى في العالم.
ففي عام 2022، بيعت لوحته “الأمومة 2” التي رسمها في تاهيتي سنة 1899 بأكثر من 105 ملايين دولار، بينما بيعت لوحته الشهيرة “متى تتزوجين؟” في 2015 بنحو 210 ملايين دولار، لتتحول الأعمال التي بيعت بثمن زهيد مطلع القرن العشرين إلى لوحات تساوي اليوم عشرات ومئات ملايين الدولارات.
