قصة حياة الحلاج مصلوب الحب للكاتب خالد حسين.

مقدمة روايتي قصة حياة الحلاج

                                    مصلوب الحب
                                  خالد حســــــين 

المقدمة

في البدء كانت الكلمة. وفي النهاية كانت الكلمة. وبين البدء والنهاية – في ذلك الفجر الدامي من سنة ثلاثمئة وتسع للهجرة – صُلبت الكلمة على خشبة في بغداد، فصارت لحمًا ودمًا، ثم عادت روحًا خالدة.

قالوا: مات الحلّاج. لكن من يموت؟ الجسد؟ الجسد كان قد مات قبل الصلب بزمن طويل – حين فنى في عشق لا يُدركه إلا من احترق. القلب؟ القلب كان قد توقف عن النبض له، وصار ينبض بالحق وحده. الاسم؟ الحسين بن منصور؟ ذلك الوهم الذي نسمّيه “أنا” كان قد تبخّر في ليلة من ليالي الخلوة، حين انشقّت السماء ولم يبقَ إلا الواحد.

الذي صُلب في ذلك الصباح لم يكن رجلًا. كان سؤالًا مُعلّقًا بين السماء والأرض. كان الصرخة الأزلية التي يخنقها كل عاقل في صدره خوفًا من الجنون، خوفًا من الفقهاء، خوفًا من نفسه: إذا فنيتُ عن ذاتي، من يبقى؟

أجاب الحلّاج: الحق.

وقُتل لأنه أجاب.

لكن الإجابة – تلك اللؤلؤة الملطّخة بالدم، تلك الجمرة التي احترق في سبيلها – لم تمت. تناثرت في الريح، سقطت في دجلة، تسرّبت إلى التراب، وصارت سرًّا يُهمس في قلب كل عاشق: أنا لستُ أنا. من يُحب حقًّا يُصبح المحبوب. من يرى الله لا يرى نفسه. المرآة حين تعكس الشمس، هل تبقى مرآة؟

هذه ليست قصة رجل. هذه قصة الفناء – تلك المرحلة التي يعبرها كل من تجرّأ أن يطرق باب الحقيقة. قصة اللحظة التي ينكسر فيها القفص فيكتشف الطائر أنه لم يكن طائرًا، بل كان السماء طوال الوقت، لكنه نسى.

الحلّاج لم ينسَ. أو بالأحرى: تذكّر. تذكّر ما نسيناه كلنا منذ الأزل، منذ ذلك العهد الأول حين قال الله: ألست بربكم؟ فقلنا: بلى. قالها الحلّاج مرة أخرى، لكن هذه المرة بجسده، بدمه، بموته: بلى. أنت الحق. وأنا لستُ إلا صدى لكلمتك.

سيقولون: كفر. سيقولون: جنون. سيقولون: حلول، اتحاد، زندقة. دعهم يقولون. الكلمات سجون، والحقيقة أكبر من كل سجن. الذي ذاق عسل الفناء لا يُبالي بـعقارب الألفاظ.

في هذه الرواية، لن تجد إجابات. ستجد أسئلة أعمق. ستجد رجلًا تحوّل إلى نار، ونارًا تحوّلت إلى نور، ونورًا لا يزال – بعد ألف سنة – يحرق كل من اقترب.

ادخل، إن تجرّأت. لكن اعلم: من يدخل بيت الحلّاج لا يخرج كما دخل. ستحترق، أو ستولد. وربما – في لحظة مباركة – الاثنان معًا.

أنا الحق – ليست كلمة. بل باب. والحلّاج فتحه، فصُلب على عتبته.

هذه قصة العتبة. وما وراءها.
خالد حســــــين #كتاب القصة القصيرة# مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم