قصة حب ابو عجاج ومارغريت من حكايا الزمن الجميل

أبو عجاج ومارغريت وبيت الآغا
حكاية حب بدأت عند باب كاديلاك وانتهت في قلادة لم تفارق صاحبها
«كان القصر كلّه يضوي وقت تنزل ع درج القصر الأسود، ويشعشع نور ضحكتها بكل المكان، والموسيقى تعزف وقت تقول: Good morning».
بهذه الجملة لم يكن أبو عجاج يصف امرأة فحسب، بل كان يستدعي زمناً كاملاً من حياته. زمناً بقي معلقاً في ذاكرته منذ خمسينيات القرن الماضي، يوم دخلت مارغريت قصر عاصم آغا سويدان في حسياء، عند البوابة الجنوبية للقلمون، لتدير شؤون المنزل وتعلّم أبناء العائلة، قبل أن تصبح، من حيث لا تدري، أكثر شخصيات القصر حضوراً في قلب سائقه.
كان القصر يومها واحداً من علامات المكان؛ بناء واسع، وحياة مترفة بمقاييس الريف السوري آنذاك، وسيارات وضيوف وأسفار بين حسياء ولبنان. أما اليوم، فلم يبق من تلك الصورة إلا أطلال أكلتها السنوات وملح البارود، بعدما تبدلت وظيفة المكان وتحول لاحقاً إلى موقع عسكري، كأن التاريخ نفسه محا المسرح الذي شهد تلك الحكاية.
كانت مارغريت، كما حفظها أبو عجاج، شقراء بعينين زرقاوين «مثل بحر بيروت». جاءت من بريطانيا، من عائلة كان يصر دائماً على وصفها بالعريقة، وعُهد إليها بتعليم أبناء الآغا والإشراف على تفاصيل القصر من الألف إلى الياء.
أما هو، فكان سائق الآغا؛ قصير القامة، مشدود الجسد، سريع الحركة، حاد المزاج، أنيقاً على طريقته، مغرماً بالعطور والأحذية الألمانية، ومؤمناً بأن الحذاء الألماني ذروة ما توصل إليه البشر في صناعة الأحذية. وكان لكأس العرق عنده طقسه الخاص، من ترتيب المازة إلى أدق التفاصيل التي تحيط بجلساته.
ورث أبو عجاج مهنة السائس عن جده القادم، وفق رواية العائلة، من صعيد مصر، لكنه لم يكن مجرد مستخدم في بيت الآغا. فقد تربى مع عاصم آغا منذ الصغر في البيت الذي سبق بناء القصر، وهو ما منحه مكانة خاصة جعلت علاقته بصاحب البيت أقرب إلى رفقة قديمة منها إلى علاقة بين سيد وسائق. وحين كان يرافق الآغا إلى برمانا وضهور الشوير في لبنان، كان ينزل في الفندق نفسه، يرتدي أفضل ما عنده، ويمارس مزاجه الصارم في الأناقة والطعام والشراب كأنه واحد من ضيوف المكان.
وعند سيارة الآغا بدأت الحكاية.
كانت السيارة كاديلاك ضخمة ذات أجنحة خلفية، وكان أبو عجاج شديد الاعتناء بها. وحين حاولت مارغريت أن تصعد إليها في أول لقاء بينهما، أوقفها بلهجته الجافة:
«ستوب… مسحي كندرتك بالأول. هلأ خلصت غسيل السيارة. هاي كاديلاك مو تركتور».
أزعجها أسلوبه، لكنه بقي يعتقد حتى سنواته الأخيرة أن تلك المشادة الصغيرة كانت الشرارة الأولى. شيئاً فشيئاً، تبدلت النفرة إلى اهتمام، والاهتمام إلى علاقة، ثم إلى حب لم يعد ممكناً إخفاؤه عن أهل القصر.
«حبينا بعض. أنا حبيتها من قلبي، وهي حبتني أكتر».
في البداية كانا يلتقيان علناً، ثم بدأ بيت الآغا يشعر بأن الأمر تجاوز حدود المزاح والميل العابر. تضاعف التضييق، فتحولت اللقاءات إلى مواعيد مسروقة، وتروي ذاكرة أبو عجاج أن الكلاب وُضعت ليلاً حول القصر لتكشف اقترابه. وبطريقته المتمردة التي لا تعرف أنصاف الحلول، تخلص منها واستمر في الحضور.
لم يعد الحب شأناً خاصاً بعد ذلك. صار حديث المجلس والضيوف والأقارب والآغاوات، إلى أن صدر القرار الذي أنهى الحكاية كما كانت تُعاش على الأرض: يجب أن ترحل مارغريت.
يتذكر أبو عجاج أن محامياً من آل الدروبي تولى أمر سفرها، فحُجز لها على طائرة من بيروت، وأُخرجت من حسياء في ساعة مبكرة من الصباح، قبل أن يتمكن من رؤيتها.
دخل القصر في ذلك الصباح فوجد فراغاً غير مألوف. لم تكن مارغريت هناك، ولا سيارة المحامي. ومن همسات الخدم فهم ما جرى. لم يسأل كثيراً. اتجه إلى حمص، وركب سيارة أجرة من كراج بيروت، ثم اندفع وراءها إلى العاصمة اللبنانية.
هناك بدأت مطاردة من نوع آخر.
تنقل بين الفنادق في شارع الحمرا ومحيطه، باحثاً عن أثر واحد يقوده إليها. وعندما لمح سيارة المحامي أمام أحد الفنادق، عرف أنه وصل. دخل الردهة وانتظر. لم يكن يعرف متى ستنزل، لكنه كان واثقاً من أنها ستظهر لتناول الفطور.
وحين نزلت، أخذها معه وخرجا إلى بيروت.
«مشينا بالحمرا لحتى وصلنا للروشة. ركبنا الحنطور، وصار يروح ويجي بين الروشة والمنارة. كل ما يخلص المشوار أعطيه ليرتين ويعيده. ضلينا هيك للعصر».
ذلك اليوم، على عربات بيروت القديمة وبين البحر والمنارة، كان يمكن أن يغير حياتهما كلها.
طلبت منه مارغريت أن يرافقها. أن يركبا الباخرة، وأن يذهبا معاً إلى لندن، حيث يمكنهما أن يبدآ حياة بعيدة عن القصر والعائلة والاعتراضات. وافق أبو عجاج بلا تردد، وقال لها إنه مستعد للذهاب معها «إلى آخر الدنيا»، لكنه احتاج إلى المال.
ذهب إلى صديق له في بيروت يعمل في تجارة سيارات شيفروليه، وروى له القصة من أولها.
أصغى الرجل، ثم قال له ما لم يكن أبو عجاج مستعداً لسماعه:
«بعطيك أربعمية ليرة، وهي مبلغ كبير. بس إنت صاحبي وحبيبي… وين رايح وتارك مرتك وبناتك؟ وين رايح عبلاد ما بتعرف فيها شي؟ وشو بدك تشتغل هنيك؟».
كانت تلك الكلمات، على بساطتها، اللحظة التي انتصرت فيها الحياة اليومية على الحلم.
كلما وصل أبو عجاج في السرد إلى هذه النقطة، كان صوته يتغير. يطيل الصمت، يلف سيجارته على مهل، يثبتها في المبسم، يشعلها بقداحة «رونسون»، ثم ينفث دخاناً ثقيلاً كمن يستعيد قراراً ما زال يعاقب نفسه عليه.
وحين نسأله: ماذا حدث بعد ذلك؟ كيف ودعت مارغريت؟ ماذا قلت لها؟
كان يختصر نصف قرن بكلمات قليلة:
«لقيت حالي معانق قنينة العرق، والشوفير عم يفيقني بالكراج بحمص ويقلي: وصلنا شباب. نمت بحمص، وتاني يوم رجعت عالضيعة».
وإذا ألح السائل، كان يضيق بالأسئلة ويجيب بنبرة حاسمة:
«يا زلمة، عم قلك رجعت عالضيعة… خلصت الحكاية».
كانت تلك الجملة أشبه بباب يغلقه في كل مرة قبل أن يصل السرد إلى أكثر لحظاته وجعاً؛ جداراً بناه حول ما جرى بين بيروت وحمص، ولم يسمح لأحد بتجاوزه، وربما لم يستطع هو نفسه العودة إليه.
مرت الأعوام، لكن مارغريت لم تخرج من حياته.
ظل ينتظر فرصة يرسل فيها رسالة إلى بريطانيا، حتى تزوج والدي من والدتي في سبعينيات القرن الماضي. وكانت تجيد الكتابة بالإنكليزية، فطلب منها أن تكتب له إلى عنوان عائلة مارغريت.
وصل الرد.
«قلت لأمك تقرالي… ويا ريتها ما قرت».
أخبرته العائلة أن مارغريت غادرت إلى الولايات المتحدة، وأنهم لا يعرفون عنوانها الجديد، ثم طلبوا منه ألا يعاود مراسلتهم.
انقطع عندها آخر خيط يقوده إليها، لكن الصورة بقيت.
ذات يوم، فتح أبو عجاج صندوقاً قديماً وأخرج قلادة صغيرة، وفي داخلها صورة مارغريت.
كان يحملها بأصابع أنهكتها السنوات، ويتأمل ملامحها كما لو أنه يراها للمرة الأولى:
«شايف يا محمد شو كانت حلوة؟ شوف اسم عيلتها منقوش هون عالقفا… شايف؟ عيلة فخمة».
ثم، في لحظة واحدة، انقلب الحنين إلى انفعال حاد. قلب صينية القهوة والطاولة، والتفت نحوي غاضباً:
«إنت ليش فتحت هالسيرة؟ شو رجّعك لهالحكي القديم؟ قوم روح من هون، وخلي الواحد بحاله».
لم يكن غضبه رفضاً للحكاية، بقدر ما بدا دفاعاً مرتبكاً عن جرح ظل مفتوحاً في داخله طوال تلك السنين.
في حزيران/يونيو 2012 توفي أبو عجاج بسرطان الرئة. جلست عند قدميه في ساعاته الأخيرة، وهو مغمض العينين، يلاحق أنفاساً ثقيلة ومتباعدة. وفي تلك اللحظة لم أفكر بالقصر، ولا بالآغا، ولا بالكاديلاك، ولا بكل ما مر على حسياء من تحولات.
فكرت فقط بمارغريت.
تمنيت أن تكون هي الصورة التي رآها أبو عجاج خلف جفنيه في اللحظة الأخيرة؛ أن يعود إلى درج القصر الأسود، وأن يسمع مرة أخرى صوتها وهي تقول: Good morning، وأن يكتمل هناك، بعيداً عن كل ما أفسد الحكاية، ذلك المشوار الذي توقف ذات عصر على كورنيش بيروت.
فبعض قصص الحب لا تُقاس بما عاشه أصحابها معاً، بل بما بقي منها بعد الفراق.
ومارغريت، بالنسبة إلى أبي عجاج، لم تغادر فعلياً إلى لندن ولا إلى أميركا.
بقيت طوال حياته في قلادة صغيرة، وفي رائحة عطر، وفي مقعد كاديلاك لامع، وفي حنطور يدور بين الروشة والمنارة، وفي قلب رجل عاد وحيداً إلى حسياء ولم يعد بعدها الرجل نفسه.
………………………..
المصدر :

  • توثيق صفحة : ملاذ الزعبي
  • نشر وائل العبدالله هذه الحكاية في موقع «راديو سوريالي» عام 2017
    انفوغرافيك وتحرير #سوريات_Souriat#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم