في ذكرى رحيل هند رستم.نجمة لم يأفل ضوءها

💥 هند رستم .. الوجه الآخر لنجمة الإغراء كيف صنعت الممثلة مكانتها خارج صورتها؟«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل في ذكرى رحيل هند رستم (مثل هذا اليوم، 8 أغسطس 2011)، لا تبدو المشكلة في أن السينما المصرية لم تمنحها ما يكفي من الألقاب، بل ربما في أنها منحتها ألقاباً كثيرة حالت دون رؤيتها كممثلة. «ملكة الإغراء» و«مارلين مونرو الشرق» عبارتان لامعتان، لكنهما تنتميان إلى قاموس الصحافة والنجومية أكثر مما تنتميان إلى النقد السينمائي. فهما تصفان كيف بدت هند رستم، ولا تفسران ماذا كانت تفعل أمام الكاميرا.وهذا هو السؤال الأكثر إثارة للاهتمام اليوم، ماذا فعلت هند رستم بصورة المرأة التي صنعت شهرتها؟.الإجابة تظهر في أفضل أفلامها، حيث لم تكن قوة هند رستم في جمالها الاستثنائي وحده، بل في وعيها العميق بكيفية توظيف هذا الجمال داخل الصورة السينمائية. كانت تدرك أن الكاميرا لا تلتقط ملامحها فحسب، وإنما تبني حولها معنى، وأن حضورها الجسدي يمكن أن يكون جزءاً من الدراما لا بديلاً عنها. لذلك استطاعت أن تحول جمالها من مجرد عنصر للفرجة إلى أداة للتعبير عن الشخصية، وعن رغباتها وهشاشتها وتناقضاتها، بل وأحياناً عن القيود التي يفرضها عليها ذلك الجمال نفسه.بهذا المعنى، كانت هند رستم أكثر حداثة مما يوحي به إرثها.ويظل «باب الحديد» (1958) ليوسف شاهين المفتاح الأهم لإعادة قراءة هند رستم.فالفيلم لا يمنحها دخول النجمة التقليدي. «هنومة» موجودة في فضاء مزدحم، محطة قطار لا تتوقف فيها الحركة، حيث الأجساد والقطارات والباعة والركاب والرغبات كلها تتحرك في إيقاع واحد. إنها ليست امرأة موضوعة أمام خلفية، بل جسد داخل عالم كامل، وهنا تحدث النقلة المهمة.شاهين لا يصور هند رستم فقط باعتبارها امرأة جميلة؛ بل يجعل الآخرين يرونها. نظراتهم إليها تصبح جزءاً من بناء الشخصية. جمالها ليس معلومة ثابتة عن «هنومة»، وإنما قوة اجتماعية تتحرك حولها.وعندما يتوتر الفيلم، يصبح هذا الجمال أقل رومانسية وأكثر تهديداً. «هنومة» ليست الفتاة التي ينتظرها البطل ليكتمل عالمه؛ إنها امرأة لها رغباتها وإيقاعها وحضورها، لكن هذا الحضور نفسه يضعها في شبكة من الرغبات الذكورية.أهمية أداء هند رستم في الفيلم أنها لا تلعب «المرأة المثيرة» كصفة واحدة. هناك خفة، ومشاكسة، وثقة، وخوف، ولحظات يبدو فيها الجسد نفسه وكأنه يبحث عن مخرج من نظرات الآخرين.لهذا يمكن القول إن «باب الحديد» هو الفيلم الذي يكشف الفارق بين هند رستم بوصفها صورة، وهند رستم بوصفها ممثلة.وإذا كان «باب الحديد» يكشف هند رستم داخل نظرات الآخرين، فإن «شفيقة القبطية» (1963) يذهب أبعد، لأن الفيلم يجعل من الجسد نفسه تاريخاً ومصيراً.الشخصية مبنية على امرأة صعدت من الهامش إلى الشهرة عبر الاستعراض، لكن الصعود لا يعني التحرر بالضرورة. فكلما ازدادت شهرة شفيقة، ازدادت علاقتها بجسدها وبصورتها العامة تعقيداً.ومن ثم يصبح اختيار هند رستم للدور شديد الدلالة.فالممثلة التي صنعت الصناعة جزءاً كبيراً من شهرتها عبر جمالها، تؤدي امرأة تحاول أن تجعل من جمالها وشهرتها وسيلة للصعود، ثم تكتشف أن الوسيلة نفسها يمكن أن تتحول إلى قيد.لا تحتاج رستم إلى خطب طويلة لتقول ذلك. في لحظات كثيرة، يكفي تغير النظرة أو انكسار الثقة أو الطريقة التي تقف بها أمام الآخرين. إنها تستخدم جسدها الذي صنع شهرتها ليعبر عن شخصية فقدت السيطرة تدريجياً على الصورة التي بنتها.وهذا أحد أسرار الأداء الجيد، أن يتحول الشيء الذي يراه الجمهور إلى شيء تشعر به الشخصية.وفي «صراع في النيل» (1959)، واصلت هند رستم اللعب على المنطقة التي صنعت شهرتها، لكنها جعلت منها جزءاً من شخصية أكثر تركيباً.ثم يأتي «إشاعة حب» (1960) ليثبت أن هند رستم لم تكن أسيرة الدراما الجسدية، حيث تكشف عن قدرة على اللعب مع الصورة التي يعرفها الجمهور عنها. إنها لا تتخلى عن جاذبيتها، لكنها لا تسمح لها بابتلاع الشخصية.وفي «الراهبة» (1965)، ابتعدت رستم أكثر عن الصورة النمطية التي رسختها أعمالها السابقة، لتؤكد أن اختيارها للأدوار لم يكن محكوماً دائماً بما ينتظره الجمهور منها. كذلك كشفت أفلام مثل «الحب الأخير» و«نساء في حياتي» عن قدرتها على التعامل مع الشخصيات العاطفية والاجتماعية بعيداً عن نموذج المرأة التي تظهر أساساً لإغراء البطل.كانت هند رستم تنتمي إلى جيل ضم أسماء كبيرة مثل فاتن حمامة، وشادية، وماجدة، ومديحة يسري، وسعاد حسني لاحقاً، وبين هؤلاء جميعاً، احتلت موقعاً يصعب تكراره.لم تكن هند رستم هي «البطلة الرومانسية» التقليدية التي ارتبطت طويلاً بصورة فاتن حمامة، ولا النجمة الشاملة التي استطاعت شادية أن تنتقل معها بين الغناء والكوميديا والدراما، ولا النموذج الذي ارتبط بسعاد حسني بوصفها صورة لجيل جديد أكثر تحرراً وحيوية.لقد بنت هند رستم نجوميتها من منطقة كانت السينما المصرية تنظر إليها غالباً بوصفها هامشية، المرأة التي ينظر إليها الرجل قبل أن يستمع إليها. لكنها حولت هذه المنطقة إلى مساحة للتمثيل.وهنا تحديداً تكمن المفارقة. فقد كان جسد هند رستم جزءاً من خطاب الصورة السينمائية في الخمسينات والستينات، لكنها لم تسمح لهذا الجسد بأن يصبح بديلاً من الشخصية. كانت تعرف كيف تدخل المشهد باعتبارها امرأة يلتفت إليها الجميع، ثم تجعل المشاهد يكتشف تدريجياً أن خلف هذا الحضور شخصية لها دوافعها وضعفها ورغباتها وانكساراتها.لم تكن هند رستم تحاول، بالضرورة، الهروب من لقب «ملكة الإغراء». الأهم أنها استطاعت أن تجعل هذا اللقب أقل أهمية مع مرور الوقت.فالإغراء في تجربتها لم يكن حركة جسدية أو ملابس أو نظرات فقط، وإنما كان أحياناً وسيلة للكشف عن السلطة التي تمتلكها الشخصية أو عن الثمن الذي تدفعه بسبب صورتها. وهذا تحديداً ما يميزها عن كثير من النجمات اللواتي حُصرن في أدوار المرأة الجميلة.ولذلك يمكن القول، ربما تكون المسافة الزمنية قد غيّرت نظرتنا إلى هند رستم. فما كان يُقرأ في زمنها باعتباره «إغراءً» يمكن النظر إليه اليوم بوصفه جزءاً من لعبة النجومية وصناعة الصورة في السينما المصرية.وهذا يجعل إعادة اكتشاف أفلامها أكثر أهمية من إعادة ترديد ألقابها.فالقيمة الحقيقية لهند رستم لا تكمن في أنها كانت جميلة على نحو استثنائي، وإنما في أنها عرفت كيف تجعل جمالها بداية للشخصية لا نهايتها. دخلت السينما من باب الصورة، لكنها بقيت فيها بفضل الأداء.ولهذا، فإن هند رستم لم تكن مجرد «مارلين مونرو الشرق»، كما أحب الإعلام أن يصفها، بل كانت نجمة تمتلك وعياً نادراً بموقعها أمام الكاميرا. وبينما تغيرت صورة المرأة المصرية على الشاشة عبر العقود، ظلت بعض شخصياتها قادرة على البقاء، لأنها لم تكن صوراً للأنوثة فقط، وإنما شخصيات تحمل رغباتها ومخاوفها وتناقضاتها.وبعد أكثر من عقد على رحيلها، تبدو هند رستم أقل حاجة إلى الألقاب التي صنعت شهرتها، وأكثر احتياجاً إلى إعادة مشاهدة أفلامها. فهناك، داخل الصورة نفسها التي صنعت أسطورتها، يمكن اكتشاف الممثلة التي قاومت أن تصبح أسيرة لها. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم