ميلان كونديرا وفن الرواية
جودت هوشيار
كثيرة هي الكتب التي تتحدث عن ” فن الرواية” بينها عدد غير قليل من الكتب التي ألفها روائيون ، يتحدثون فيها عن تجاربهم الإبداعية. مع ذلك يظل كتاب ميلان كونديرا ” فن الرواية” الذي نشر في فرنسا عام 1986 كتاباً متميزاً. فهو لا يتناول تجربته الإبداعية فحسب، بل يخوض حوارا واسعاً مع تاريخ الرواية الأوروبية ، محاولا الإجابة عن أسئلة رافقته طوال حياته الأدبية: لماذا نكتب الروايات؟ وما الذي يجعل هذا الفن ضرورياً؟ وما الذي يستطيع أن يكشفه عن الإنسانية ولا تستطيع الفلسفة أو التاريخ أو العلوم الأخرى الكشف عنه؟يتألف كتاب كونديرا من مجموعة مقالات ومحاضرات وتأملات نقدية صاغها بين عامي 1979 و1985، منطلقاً من تجربته الروائية ، ككاتب كرَس حياته لهذا الفن، وترك بصمته في أعمال مثل “خفة الكائن التي لا تحتمل” و”فالس الوداع” و”الخلود”.ويعترف الكاتب نفسه بأن جميع الأفكار الواردة في الكتاب ليست سوى “تأملات ممارس”. ويرى أن أعمال كل روائي تتضمن رؤية ضمنية لتاريخ الرواية، وفهمًا خاصًا لماهية هذا الفن. وهذه الرؤية نفسها، التي تتجلى أيضًا في رواياته، حاول أن يصوغها بوضوح في مقالاته.ولا يتحدث كونديرا عن الرواية بوصفها بنية أو شكلًا سرديًا، بل باعتبارها أسلوبًا للوجود الإنساني، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالزمن والتاريخ.ويشير كونديرا إلى أن فهم جوهر الرواية الأوروبية الكلاسيكية يكاد يكون مستحيلًا من دون معرفة بتاريخ أوروبا. ويقول:”هناك تاريخ لأوروبا. فمنذ الألفية الأولى وحتى اليوم تعيش أوروبا مغامرة مشتركة واحدة. ونحن جزء من هذه المغامرة، ولا تكتسب أفعالنا، سواء كانت شخصية أم قومية، معناها الحاسم إلا في إطارها. يمكنني أن أفهم دون كيخوته من دون معرفة تاريخ إسبانيا، لكن لا يمكنني أن أفهمها من دون امتلاك تصور، ولو عامًا، عن المغامرة التاريخية لأوروبا، مثل عصر الفروسية، والحب الفروسي، والانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث.”ولهذا يستند كونديرا في مقالاته إلى أعمال عدد كبير من الكتّاب والفلاسفة الأوروبيين. فهو ينطلق من أرضية الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولوجية)، مستشهدًا بأعمال مارتن هايدغر ومحاضرة إدموند هوسرل حول أزمة النزعة الإنسانية الأوروبية. كما يتناول فن الإيجاز والتعدد الصوتي في الأدب، مستشهدًا بأعمال تولستوي ودوستويفسكي وهاشيك وبروست وغيرهم. ويستحضر كذلك روايات رابليه وسرفانتس ولورنس ستيرن وديدرو وفلوبير، ويخصص أحد الفصول للحديث عن الدلالة النبوئية في أعمال كافكا، وآخر للروائي هرمان بروخ. وقد شكّلت أعمال هؤلاء جميعًا الأساس لما يسميه كونديرا “تاريخه الشخصي للرواية”
#جودت هوشيار#مجلة ايايت فوتو ارت..


