فض المركزية: كيف نتخلص من وهم استهداف الآخرين لنا؟
يتمركز الإنسان حول ذاته بوصفها نقطة الانطلاق المرجعية لفهم الوجود، وهذه الخاصية، التي أشار إليها الفيلسوف مارتن هيدجر باعتبارها طريقة البشر في تشييد عوالمهم الخاصة، سمة طبيعية. يحافظ الفرد السوي على قدرته على التمييز بين المعاني الشخصية للأحداث وبين خصائصها الموضوعية والمحايدة، في حين يتلاشى هذا الحد الفاصل في حالات الاضطراب النفسي، ليصبح العالم بأسره خشبة مسرح تعرض عليها دراما الفرد الذاتية.
تُعرف هذه الإشكالية المعرفية بـ “الشخصنة” (Personalization) أو “الإحالة الذاتية”، وتتمثل في نزوع المريض إلى تفسير الأحداث الخارجية، حتى المحايدة منها أو تلك التي تدور بعيداً عنه، ضمن إطار يتصل بشخصه اتصالاً مباشراً، مسبغاً عليها دلالات استهدافية أو اتهامية. تأخذ هذه الإحالة الذاتية طابعاً متطرفاً في الذهانات، حيث يظن مريض البارانويا أن المذيع في التلفاز يوجه حديثه إليه شخصياً، بينما تظهر بحدة أقل في العصاب، كأن يفسر مريض الاكتئاب تقطيبة عابرة في وجه شخص غريب في الشارع على أنها دليل على احتقار الغريب له ونفوره منه.
يؤدي هذا الاستغراق في الإحالة الذاتية إلى توليد شحنات من القلق والغضب أو الاكتئاب، نتيجة الانخراط في معارك وهمية وتحمل مسؤوليات لظواهر طبيعية أو أحداث عشوائية. لمعالجة هذا الخلل الإدراكي، صاغ العلاج المعرفي تقنية تُسمى “فض المركزية” أو “فض التمركز” (Decentering)، تهدف إلى سحب المريض من بؤرة الأحداث، وتدريبه على رؤية المشهد من منظور خارجي محايد يفصل بين حركة العالم المستقلة وبين قيمته الذاتية أو سلامته الشخصية.
كان طالب دراسات عليا يعاني من قلق بالغ تجاه الامتحانات، ويعتقد بوجود قدر يتربص به ليفشله. في يوم امتحانه الشفوي، تساقطت الثلوج بغزارة، وحين انزلق وسقط في طريقه، اجتاحه قلق شديد وهجست له فكرة إحالية ذاتية: “لقد وضع لي القدر هذا الثلج لكي أسقط وأفشل”. باستخدام تقنية “فض المركزية” التي تدرب عليها، أوقف الطالب هذا الاستنتاج، وتفحص محيطه بموضوعية، فلاحظ أن السيارات تنزلق، والمارة يتعثرون، وحتى الكلاب تسقط على الجليد. استوعب فوراً أن الثلج ظاهرة مناخية عامة ومحايدة، تخضع لها جميع الكائنات، وليست مؤامرة تستهدفه هو شخصياً. وبمجرد استبدال الإحالة الذاتية بالإدراك الموضوعي، تلاشى قلقه واستعاد اتزانه.
تكشف تقنية “فض المركزية” عن ضرورة تحرير الإدراك من هيمنة الأنا المتضخمة والخائفة. تؤكد هذه المقاربة أن جانباً كبيراً من المعاناة الإنسانية لا ينتج عن قسوة العالم بقدر ما ينتج عن قراءة متعسفة تربط عشوائية الكون ومواقفه المحايدة بتقييم الفرد لذاته، وأن إدراك حياد الأشياء خطوة أولى نحو الاستقرار الوجداني.
[Aaron T. Beck, Cognitive Therapy and the Emotional Disorders, International Universities Press, 1976]
[آرون بيك، العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية، عادل مصطفى، مؤسسة هنداوي، 2024]
[Zindel V. Segal, J. Mark G. Williams & John D. Teasdale, Mindfulness-Based Cognitive Therapy for Depression, Second Edition, Guilford Press, 2012]
#الشخصنة #فض_التمركز #الانحيازات_المعرفية#مجلة ايليت فوتو ارت.


