💥 الجونة | «بومة».. الجريمة كطريق للنجاة زيد أبو حمدان يرصد المهمشين بواقعية قاسيةالجونة، مصر ـ خاص «سينماتوغراف»في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، يأتي الفيلم الأردني «بومة» لزيد أبو حمدان حاملاً معه إرث عرضه العالمي الأول في مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، حيث نافس ضمن مسابقة «المواهب الآسيوية الجديدة» وحصل على خمسة ترشيحات، بينها أفضل فيلم ومخرج وسيناريو وممثلة وتصوير سينمائي. وفي الجونة، يواصل الفيلم اختبار عالمه القاسي، مجتمع يقع على أطراف عمّان، حيث لا يبدو الانتماء حقاً مكتسباً، بل امتيازاً لا يصل إليه الجميع.يضع أبو حمدان شخصية «بومة» في قلب هذا العالم، شابة نشأت من دون سند عائلي، وتعلمت مبكراً أن البقاء يحتاج إلى التخلي عن كثير من مظاهر الضعف. تتحرك في الشارع وفق قواعد القوة التي يفرضها عالم ذكوري، وتستخدم القسوة وسيلة لحماية موقعها، قبل أن تعيد علاقة إنسانية غير متوقعة فتح الجرح القديم الذي حاولت إخفاءه. الفيلم، وفق تقديمه الرسمي، لا ينظر إلى شخصيتها بوصفها مجرمة فحسب، وإنما باعتبارها نتاجاً لبيئة لم تمنحها خيارات كثيرة.هذه النقطة تحديداً تمنح «بومة» قوته الأساسية. فالجريمة ليست هنا لعبة إثارة أو وسيلة لاستعراض القوة، وإنما شكل من أشكال العمل بالنسبة إلى شخصيات تعيش في أسفل السلم الاجتماعي، وتتعلم منذ الطفولة قواعد البقاء في الشوارع التي لا تحميهم.لكن أبو حمدان لا يكتفي بتقديم صورة اجتماعية مباشرة، فهو يبني عالمه من خلال شخصية نسائية تتحرك داخل منظومة ذكورية شديدة الصرامة. «بومة» تضطر إلى تبني أكواد القوة نفسها التي يستخدمها الرجال من حولها كي تحافظ على وجودها، وهو اختيار يمنح الشخصية تناقضها الأساسي، امرأة تحاول أن تبدو أكثر قسوة مما هي عليه، لأن إظهار هشاشتها قد يعني سقوطها.وتحمل ركين سعد الفيلم على كتفيها بأداء يعتمد بدرجة كبيرة على الجسد والنظرة والصمت. فالشخصية لا تحتاج إلى شرح طويل لتاريخها، يكفي حضورها المتوتر وحركتها الحذرة داخل المكان كي يشعر المتفرج بأن وراء القسوة تاريخاً من الخسارات. ويحسب لزيد أبو حمدان أنه لا يتعامل مع عمّان باعتبارها مجرد خلفية للأحداث، بل يجعل المكان جزءاً من تكوين الشخصيات ومصائرها. ينتقل الفيلم بين الأحياء الهامشية والشوارع التي تتحرك فيها شخصياته، مقدماً مدينة مختلفة عن صورتها المألوفة، حيث تتجاور الرغبة في الحياة مع الخوف والعنف والحاجة إلى البقاء. ويساعد التصوير في المواقع الواقعية والمزج بين الممثلين المحترفين وغير المحترفين على منح عالم الفيلم ملمساً قريباً من الحياة، فيما تحافظ الموسيقى التصويرية على حضورها داخل النسيج الدرامي من دون أن تطغى عليه.ويتحرك «بومة» بين أكثر من مسار، فهو فيلم جريمة في بنيته، لكنه في الوقت نفسه دراما اجتماعية عن الهامش والانتماء والأسرة. ومن خلال بطلة تعيش خارج المساحات الآمنة، يفتح أبو حمدان الباب أمام أسئلة تتعلق بالفرص المحدودة، والعنف بوصفه وسيلة للبقاء، والحاجة إلى الانتماء. هذا التعدد يمنح الحكاية اتساعاً واضحاً، وإن كان يجعل بعض خطوطها الدرامية تبدو أحياناً بحاجة إلى مساحة أكبر حتى تكتمل تحوّلاتها بالقدر نفسه من العمق.وتظل الشخصية الرئيسية مركز الثقل في الفيلم. فـ«بومة» ليست مجرد امرأة تعمل داخل عالم الجريمة، وإنما شخصية تشكلت تحت ضغط ظروفها، واكتسبت قسوتها باعتبارها وسيلة للحماية. وفي الوقت نفسه، يكشف الفيلم تدريجياً عن الجانب الآخر منها، امرأة تبحث عن الأمان وتحاول استعادة معنى الأسرة والانتماء. هذه الازدواجية تمنح الشخصية مساحة جيدة للتطور، وتمنع اختزالها في صورة الضحية أو المرأة القوية فقط.وتقدم ركين سعد أداءً يعتمد على التفاصيل أكثر من الانفعالات المباشرة. في لحظات كثيرة، تتولى النظرة والحركة والصمت مهمة الحوار، خصوصاً في المشاهد التي تتردد فيها الشخصية بين ما تريد إظهاره وما تحاول إخفاءه. وتمنح سعد «بومة» حضوراً متوتراً ومقنعاً، يجعل تحولات الشخصية قابلة للتصديق حتى عندما ينتقل الفيلم بين مستويات مختلفة من الحكاية.ويستفيد أبو حمدان من طبيعة عالم الجريمة في خلق إيقاع متحرك، لكنه لا يجعل التشويق غايته الوحيدة. فالمطاردات والمواجهات تأتي مرتبطة بحياة الشخصيات، فيما تمنح المشاهد الهادئة مساحة للتعرف إلى دوافعها وعلاقاتها. ومع ذلك، فإن بعض التحولات الدرامية تأتي بوتيرة أسرع من تطور الشخصيات، وهو ما يقلل أحياناً من الأثر العاطفي لبعض اللحظات التي كان يمكن أن تستفيد من بناء أكثر تدرجاً.ويحسب للفيلم أيضاً أنه يضع امرأة في مركز عالم تهيمن عليه قواعد القوة الذكورية، من دون أن يجعل ذلك مجرد شعار. «بومة» مضطرة إلى التعامل مع هذه القواعد وفهمها واستخدام بعضها لحماية نفسها، لكنها تظل في الوقت ذاته تبحث عن مساحة أكثر إنسانية لحياتها. ومن هنا تتقاطع قصة الجريمة مع قصة امرأة تحاول أن تجد تعريفاً مختلفاً للقوة، لا يقوم فقط على القدرة على مواجهة الآخرين.وبعد «بنات عبد الرحمن»، يواصل زيد أبو حمدان اهتمامه بالشخصيات النسائية المركبة، لكنه ينتقل هنا إلى أجواء أكثر قتامة وإلى نوع سينمائي أكثر اقتراباً من التشويق والجريمة. وهذه النقلة تمنح تجربته اتجاهاً جديداً، مع الحفاظ على اهتمامه بالإنسان الواقع على هامش المجتمع، وبالعلاقات التي يمكن أن تمنحه فرصة ثانية.في النهاية، ينجح «بومة» في تحويل حكاية الجريمة إلى مدخل لقراءة حياة شخصيات تقف خارج الدوائر الآمنة، وتمنحه ركين سعد مركزاً أدائياً قوياً، فيما يثبت زيد أبو حمدان قدرته على بناء عالم بصري قريب من بيئته وشخصياته. لكن طموح الفيلم في الجمع بين التشويق والجريمة والأسئلة الاجتماعية والعائلية لا يتحقق دائماً بالدرجة نفسها من التماسك، فبعض التحولات تبدو أسرع مما تحتمل، وبعض الأفكار تأتي أوضح من أن تترك أثراً مكتفياً بذاته داخل الدراما. ومع ذلك، تبقى قيمة «بومة» في أنه لا يكتفي بتقديم الجريمة كحدث، بل يحاول البحث في الظروف التي تصنعها، وفي الأشخاص الذين يجدون أنفسهم داخلها. وربما هنا تحديداً تكمن قوته وحدوده معاً.. فيلم يمتلك ما يكفي من الجرأة ليطرح أسئلته، لكنه لا يذهب دائماً بعيداً بما يكفي ليقدم إجابات توازي طموحه. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت


