صورة الشيطان في مسرحية تلميذ الشيطان لبرنارد شو

بقلم د علي خليفة

على الرغم من أن عنوان هذه المسرحية يوحي بأن الأحداث فيها عن شخص تابع للشيطان، ويقوم فيها مع رفاق له بطقوس غريبة في عبادتهم للشيطان – فإننا نكتشف مع تتابع أحداثها أن عبادة ريتشارد دادجون بطل هذه المسرحية للشيطان لا تحتل غير مساحة ضعيفة منها، في حين أنها تهتم بإبراز جوانب من كفاح الأمريكان ضد المحتل الإنجليزي، لا سيما سنة ١٧٧٧ تلك السنة التي فقدت بريطانيا كثيرا من مستعمراتها في أمريكا.ويتم التركيز في أحداث هذه المسرحية على الموقف البطولي الذي اتخذه ريتشارد حين قبض عليه بعض الجنود الإنجليز في ببت القس أنطوني أندرسون وظنوه هو نفسه القس، فوافقهم على ذلك؛ لينقذ ذلك القس من حبل المشنقة، وهمس لزوجة القس – التي كانت بجانبه – أن توافقهم على ذلك؛ حتى لا يبحثوا عن زوجها القس، وينجو من حكم الإعدام؛ لتمرده على المستعمر الإنجليزي.وتتتابع الأحداث في هذه المسرحية، فتعقد محاكمة صورية لريتشارد – على أنه ذلك القس- ويحكم عليه بالإعدام شنقا، وتتعاطف جوديث زوجة القس مع ريتشارد – بعد أن كانت تنبذه ككثير من أهل بلدته لما عرف عنه من أنه تابع للشيطان – لا سيما عندما ترى زوجها القس بعد عودته للبيت، وقراره بمغادرته بفرسه ونقوده بعد علمه بانتحال ريتشارد شخصيته، وقبض بعض الجنود الإنجليز عليه.

ورغم أن جوديث قد أخبرت من حاكموا ريتشارد وحكموا عليه بالإعدام أنه ليس زوجها القس فإنهم صمموا على إعدامه بديلا لذلك القس الذي ظنوه قد هرب.

ويفاجأ ريتشارد وجوديث والجنود الإنجليز في ذلك المعسكر بمجيء القس أنطوني على أنه مندوب عن المقاطعة التي خرجت عن أيديهم منذ وقت قليل، ويقول للجنود الإنجليز في ذلك المعسكر: إنه أتى ليعرفهم بأنه قد سمح لهم بست ساعات لمغادرة هذا المكان، وعند ذلك يتعاملون معه باحترام، ونكتشف جانبا آخر في ذلك القس، فقد قاد الثورة في بلدته حين علم بما حدث لريتشارد، وقام بدور كبير في كفاح المستعمر الإنجليزي لا يقل عن الدور الوطني الذي قام به ريتشارد حين انتحل شخص ذلك القس؛ لينقذ رقبته من الشنق وكأن برنارد شو يريد بذلك أن يقول: إن الحياة تتسع للجميع؛ للمؤمنين والملحدين، وأن الجميع حين تحين ساعة الكفاح من أجل الوطن يتقدمون للدفاع عنه رغم اختلاف عقائدهم ومعتقداتهم.وهذه هي الفكرة الرئيسة التي يريد برنارد شو إرسالها في هذه المسرحية، ولكننا نتساءل: لماذا عرف ريتشارد بأنه تلميذ للشيطان؟ وما الطقوس التي يقيمها له؟ وما الفائدة التي يراها في عبادته إياه؟ولا نجد غير إجابات قليلة على ذلك، فريتشارد يرى الشيطان الوحيد في هذا العالم الذي يشعر به ويحنو عليه، وهو لذلك يخلص في عبادته والتقرب إليه، وأداء بعض الطقوس له مع جماعة من المجان في تلك البلدة التي يعيشون فيها.ولم نر في أحداث هذه المسرحية كيفية شعور الشيطان بريتشارد من خلال مواقف يذكرها، وإنما هو يكتفي بذلك القول عن تعليل عبادته للشيطان، وكذلك لا نرى أي طقوس يقوم بها ريتشارد للشيطان – وحده أو مع غيره من رفاقه المجان الذين يشاركونه في عبادة الشيطان – وإن كنا قد عرفنا من بعض حوارات هذه المسرحية أنه يقوم مع هؤلاء الرفاق ببعض الطقوس الغريبة للشيطان.

وكل من حول ريتشارد – فيما عدا رفاقه المجان الذين لا يظهرون في هذه المسرحية، والطفلة إيسي بنت عمه غير الشرعية – يرونه شخصا كافرا ماجنا، حتى إنه قد طرد أمه من البيت بمجرد أن علم أن والده قد جعل له هذا البيت في وصيته الأخيرة قبل موته.وكانت جوديث زوجة القس أنطوني تخشى من الجلوس مع ريتشارد؛ لما تسمعه عنه من حكايات في عبادته للشيطان وصحبته للمجان وأفعاله الغريبة، ولكنها غيرت موقفها منه بعد أن رأته انتحل شخصية زوجها القس؛ لينقذه من الموت، وظنت أنه يفعل ذلك لكونه يحبها.وفي اعتقادي أن صورة الشيطان لم تكن واضحة في هذه المسرحية، كما أن تصرفات ريتشارد في انتحاله شخصية القس؛ لينقذه من الموت لا تتفق مع شخص ماجن عابث لا يرعى القيم، ويعيش منعزلا في عبادته للشيطان مع رفاق يوافقونه في هذه عبادته الغريبة والمجون الذي يسلكه.

أخر المقالات

منكم وإليكم