صناعة الأرجوان في اوغاريت.

على امتداد الساحل السوري القديم عندما كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط تعانق أرصفة موانىءأوغاريت وتهمس بأسرارها للسفن القادمة من كل أصقاع العالم في ذلك الزمن الغابر..وُلدت واحدة من أثمن الصناعات التي عرفتها البشرية. لم تكن ذهباً ولا فضةً ولا أحجاراً كريمة بل كانت لوناً. لوناً استطاع أن يختصر السلطة والثراء والمجد في خيطٍ من قماش.ومن بين آلاف الرقم الفخارية التي كشفتها الحفريات الأثرية السابقة في مدينة أوغاريت يبرز نص فخاري فريد يحمل أقدم الإشارات المعروفة إلى صناعة الأرجوان. وتكشف ترجمته عن توزيع كميات من الصوف على الحائكين المكلفين بصناعة الأنسجة الفاخرة وصبغها بذلك اللون الأحمر الأرجواني النادر الذي أصبح لاحقاً رمزاً للملوك والنبلاء.ولم يكن هذا اللون وليد الصدفة بل ثمرة جهدٍ شاق ومعرفةٍ دقيقة توارثها الحرفيون جيلاً بعد جيل. فقد كان يُستخرج من حيوان صدفي بحري يُعرف باسم “الموركس” عاش بكميات متفاوتة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ومن تلك الأصداف الصغيرة كانت تُستخرج قطرات ضئيلة جداً من السائل الملون الأمر الذي جعل الحصول على كمية كافية من الصباغ يتطلب جمع أعداد هائلة من الأصداف والقيام بعمليات معقدة من التحضير والمعالجة.ولذلك لم يكن الأرجوان مجرد لون بل كان ثروة حقيقية. فارتفاع تكاليف إنتاجه جعل الأقمشة المصبوغة به بعيدة المنال عن عامة الناس وقصراً على طبقات الملوك والأثرياء وكبار رجال الدولة. وهكذا أصبح اللون الأرجواني رمزاً للمكانة الاجتماعية والهيبة والسلطة حتى ظهر في العصور اللاحقة التعبير الشهير “المولود في الأرجوان” للدلالة على من وُلد في بيت الملك والسلطان.ورغم أهمية هذه الصناعة ومكانتها الاقتصادية الكبيرة فإن النصوص الأوغاريتية المكتشفة لم تترك لنا وصفاً تفصيلياً لطريقة إعداد الصباغ الاحمر الأرجواني وبقيت جوانب كثيرة من أسرارها غامضة حتى يومنا هذا. إلا أن بعض المصادر الكلاسيكية اللاحقة حاولت وصف هذه العملية ومن أشهرها ما أورده العالم الروماني بيليني الذي ذكر أن الحيوان الصدفي كان يؤخذ حياً لأن موته يؤدي إلى فقدان المادة الملونة. ثم يُستخرج السائل من أحد عروقه ويُمزج بالملح ويُترك أياماً عدة قبل أن يُغلى بعناية مع إزالة الرغوة التي تتشكل على سطحه باستمرار. وبعد ذلك تُغمس الأنسجة في المحلول مرات متكررة حتى تتشرب اللون كاملاً ويُعد الصباغ في أفضل درجاته عندما يكتسب لون الدم المتجمد.إن الأرجوان الأوغاريتي لم يكن مجرد منتجٍ تجاري أو حرفةٍ بحرية بل كان شاهداً على مستوى التقدم التقني والاقتصادي الذي بلغته المدن السورية الساحلية في العصر البرونزي المتأخر. ومن خلال هذا اللون النادر استطاعت أوغاريت أن تربط بين البحر والحضارة، وبين الحرفة والفن وبين المادة الخام والرمز السياسي الذي سيبقى قروناً طويلة عنواناً للعظمة الملكية.وهكذا عندما نتأمل اليوم تلك الرقم الطينية الصامتة ندرك أن أوغاريت لم تمنح العالم أبجديةً فقط بل قدمت له أيضاً واحداً من أكثر الألوان شهرةً وهيبةً في تاريخ الإنسانية اللون الذي خرج من أعماق البحر ليزين أكتاف الملوك ويكتب فصلاً استثنائياً من فصول الحضارة السورية القديمة.عاشق أوغاريت..غسّان القيّم..𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎الصورة المرفقة تخيلية تبين طريقة تحضير الأقمشة الحريرية لصباغها بالصباغ الاحمر الأرجواني كما تخيلها لنا الذكاء الاصطناعي..# من صفحة دغسان القيم#مجلة ايليت فوتو ارن

أخر المقالات

منكم وإليكم