بقلم د.علي خليفة
(١)
الحقيقة أنني لا أسعى في هذا المقال للمقارنة بين إحدى درر المسرح الإغريقي والمسرح العالمي – وهي مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس – وبين مسرحية مأساة أوديب لعلي أحمد باكثير؛ لأنها مقارنة غير عادلة، فليس علي باكثير وحده الذي لم يستطع في معارضته لمسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس أن يقترب من سموها وعظمتها، ولكن فشل في هذا كل من سبقه ولحقه وقام بهذه المعارضة؛ وكان ذلك بداية من سينكا الروماني، ومرورا بكورني في القرن السابع عشر، وبكتاب آخرين كثيرين حاولوا هذه المعارضة في العصر الحديث، ومنهم أندريه جيد، وجان كوكتو، وتوفيق الحكيم، وعلي سالم.ولكنني قصدت بهذا المقال مجرد عقد مقارنة بين تصوير سوفوكليس لشخصية جوكاستا في مسرحية أوديب ملكا، وتصويرها في مسرحية مأساة أوديب لباكثير، ونرى انعكاس ذلك التصوير على الأحداث في هاتين المسرحيتين.
(٢)
أما عن جوكاستا في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس فإنها تظهر في مشاهد قليلة بها، ولا تظهر بها إلا بعد مرور ما يقرب من ثلثها، وعندما تظهر تعلم من بعض أفراد من الجوقة الخلاف الدائر بين أخيها كريون وزوجها أوديب، وتستطيع برجاحة عقلها، وما لها من مكانة كبيرة عند أوديب زوجها أن تهدئ من نفسه الغاضبة على كريون، وتجعل كريون يغادر ذلك المكان؛ حتى تستطيع أن تهدئ نفس أوديب بشكل أكبر بعد ذلك، لا سيما بعد أن تعرف أسباب الخلاف بينهما.وعندما تعرف جوكاستا من أوديب أن سبب غضبه من كريون أنه – أي أوديب – يتهمه بأنه والكاهن تريسياس الأعمى متآمران عليه؛ لسلب سلطة ملك ثيبة منه؛ وذلك لاعتقاد أوديب أنهما اشتركا بالاتفاق على تأليف ما زعما أنه النبوءة التي وصل بها كريون من معبد أبوللو في أن سبب البلاء الذي يعم ثيبة هو عدم قتل قاتل الملك السابق لايوس، وفسر هذه النبوءة تريسياس لأوديب بأنه هو قاتله؛ وذلك حين استفزه، وهاجمه خلال حواره معه.وأرادت جوكاستا أن تصرف أوديب عن الاهتمام بهذه النبوءة، وتصرفه أيضا عن معاداة أخيها كريون بأن حدثته عن عدم إيمانها بالنبوءات، وذكرت له مثالا على ذلك نبوءة قديمة جاءت من معبد أبوللو بأن الابن الذي أنجبه لايوس منها سيقتل أباه ويتزوج أمه لو عاش، ثم قالت له: ومما يدل على كذب هذه النبوءة أن هذا الطفل قد سلمته لراع، وقتله بعد ولادته، أما لايوس فلم يقتل بيد ابنه هذا حسب هذه النبوءة، ولكنه قتل عند طريق ذي ثلاث شعب.وعندما ذكرت جوكاستا هذه الحادثة لأوديب تذكر أنه قتل شخصا مع بصعة أشخاص معه في مكان بهذه الأوصاف التي ذكرتها جوكاستا، واستمر بحثه عن هذه القضية حتى كاد يكتشف الحقيقة المهولة التي عرفتها جوكاستا قبل معرفته لها بقليل، فطلبت إليه ألا يواصل بحثه عن الحقيقة؛ إشفاقا عليه من هولها، ولكنه ظن أنها تخشى أن يكتشف أن ابن لسلالة من الرقيق، وغادرت المسرح عند ذلك وهي تناديه بالشقي؛ لأنها لا تستطيع أن تناديه بزوجها أو ابنها.وعندما يكتشف أوديب حقيقته يفزع منها، ويصله خلال ذلك نبأ شنق جوكاستا نفسها؛ لأنها لم تحتمل صدمة اكتشافها أن أوديب هو ذلك الابن الذي حاولت مع لايوس التخلص منه؛ حتى لا تتحقق تلك النبوءة عنه، ولكنه لم يمت، وتحققت تلك النبوءة، فقد قتل أباه، وتزوج أمه، وأنجب منها أربعة أولاد.ومن خلال هذا العرض للمواقف القليلة التي ظهرت فيها جوكاستا في هذه المسرحية الرائعة يتضح لنا أن جواكستا تتصف في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس بعدة صفات؛ هي: رجاحة العقل، وضعف التدين؛ بتشكيكها في النبوءات – وقد غضبت جوقة الجوقة منها غضبا شديدا حين شككت في نبوءات الآلهة – كما أننا عرفنا من بعض أحداث هذه المسرحية مدى تقدير أوديب لجوكاستا، وإجلاله لها.ولم تر جوكاستا أمام الصدمة التي فوجئت باكتشافها قبل أوديب في أنها أمه – وزوجته في الوقت نفسه – غير أن تشنق نفسها؛ لأنها لن تستطيع أن تواجهه أو تواجه أحدا بعد هذه الفضيحة حتى لو كانت من تدبير بعض الآلهة الذين ترصدوا العداوة لأسرة لبداكوس التي ينتمي لها لايوس وأوديب، وانتمت لها جوكاستا بزواجها من لايوس.
(٣)
أما عن شخصية جوكاستا في مسرحية مأساة أوديب لعلي باكثير فإننا نراها تكاد لا تختفي من هذه المسرحية إلا في مواضع قليلة، وهي تظهر في هذه المسرحية شديدة التعلق بأوديب، وترى أنه الوحيد الذي أحبته بين زوجيها اللذين تزوجتهما، وتقول: إنها لم تشعر بعاطفة الحب نحو لايوس زوجها السابق؛ لأنه كان يكبرها في السن.وعلى الرغم من علم جوكاستا – من بداية أحداث مسرحية مأساة أوديب لباكثير – أن أوديب هو الذي قتل زوجها السابق لايوس فإنها تحاول أن تتكتم على هذه الجريمة؛ حتى لا تفضح أوديب أمام شعبه، ولا يتهم بأنه سبب ذلك البلاء الذي أصاب طيبة.والشيء الأغرب في هذه المسرحية أن جوكاستا حين تعرف مع تتابع أحداث هذه المسرحية أن أوديب هو ابنها – فإنها لم تشعر ببشاعة الأمر، كشأن جوكاستا في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس، ولم تسع للتخلص من حياتها؛ لأنها لا تستطيع مواجهة أوديب ولا أولادها منه ولا أحدا من الشعب، أما الذي فعلته جوكاستا في مسرحية مأساة أوديب لباكثير بعد اكتشافها هذا الأمر المهول أنها حاولت أن تقنع أوديب باسترضاء الكاهن الأكبر لوكياس – الذي دبر كل هذه المآسي منذ ميلاد أوديب مرورا بكل مراجل حياته؛ حتى يخضع له بعد ذلك – حتى يكتم هذا السر عن الشعب، وتستمر حياتها مع أديب وأولادها منه كما كان حالهم قبل ذلك.أكثر من هذا أن جوكاستا كانت ترغب – بعد اكتشافها أن أوديب ابنها – في أن يستمر في مناداتها بزوجته وحبيبته، وكانت تستاء من مناداته لها بأماه، وكانت تحرضه على أن ينام معها في مخدعها كما كان حالهما من قبل، وقد رفض أوديب أن يستجيب لها بالنوم معها في حجرة واحدة بعد اكتشافه أنها أمه.وعندما عرفت جوكاستا أن الكاهن الأكبر لوكياس قد أخبر عامة الشعب بأن جوكاستا هي زوجة أوديب وأمه في الوقت نفسه، وأن أوديب هو الذي قتل لايوس الذي هو أبوه في الوقت نفسه – فإنها لم تستطع المقاومة في الاستمرار في الحياة؛ فقد انتشرت فضيحتها؛ ولهذا شنقت نفسها؛ لتتخلص من حياتها.ولا تموت جوكاستا سريعا في هذه المسرحية بعد شنقها نفسها، بل نراها تعيش بعد ذلك عدة دقائق، وتحدث أوديب وهي تحتضر، ولا تخاطبه عند ذلك إلا بلفظ الابن، وتوصيه بإخوته؛ وهي تعني أبناءه منها، ثم تموت بعد ذلك.
ولا شك أن ما حاول باكثير فعله في هذه المسرحية من أن ينسب المكائد التي دبرت لأوديب وجوكاستا للكاهن لوكياس، وليس للقدر والآلهة الإغريقية، كما هو الحال في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس- لم يكن مقنعا، كما أن صورة جوكاستا في هذه المسرحية في تمسكها بمعاملة أوديب لها كزوج بعد علمها بأنه ابنها ليست مستساغة، وهي مما يرفضه الذوق، كما ترفضه كل الأديان.ولهذا فإن باكثير في مسرحية مأساة أوديب لم يستطع مجاراة سوفوكليس في عظمته في كتابته مسرحية أوديب ملكا بما فيها من بناء درامي محكم يتخلله تشويق وإثارة مستمرين فيه حتى نهايتها، وبما فيها أيضا من رسم عميق للشخصيات، ولكنه أيضا رسم شخصية جوكاستا بصورة ينأى منها الذوق في كل عصر وكل مكان شأنه في هذا شأن توفيق الحكيم في رسمه لشخصية أوديب في مسرحية الملك أوديب حين جعل أوديب فيها بعد معرفته بحقيقة كونه ابنا لجوكاستا يحاول إقناعها باستمرار علاقة الزوجية بينهما، وتجاهل تلك الحقيقة التي اكتشفاها بأنها أمه في الوقت نفسه.


