سورية التي خبّأت العالم في قراهافي سورية قرى لا تكفي خريطتها لتخبر حكايتها،قد تدخل قرية في ريف دمشق فتسمع أسماء وعادات جاءت من القوقاز، وتصل إلى أقصى الساحل فتجد قرية تحفظ في ذاكرتها لغة الأرمن، ثم تمضي إلى الجزيرة فتلتقي بأحفاد الشيشان، وتتابع الطريق نحو طرطوس فتسمع اليونانية، بينما تحمل قرية في حوران ملامح ذاكرة أفريقية بعيدة.هذه ليست جزرًا منفصلة عن سورية، بل حكايات بشر وصلوا إليها في أزمنة مختلفة، ثم زرعوا بيوتهم وحقولهم فيها، وتزوجوا من أهلها، وكبر أبناؤهم وهم يعرفون سورية وطناً، مع احتفاظهم بخيط رفيع يصلهم بمكان بعيد عاش في ذاكرة الأجداد.في مرج السلطان في غوطة دمشق، استقر الشركس الذين حملوا معهم من القوقاز لغة وعادات وذاكرة وطن تركوه قسراً. تحولت الأرض الجديدة إلى بيت، وصارت القرية واحدة من أشهر التجمعات الشركسية في سورية. ومع مرور السنين، لم تعد الحكاية حكاية مهاجرين، بل حكاية أهل قرية سورية لها نكهتها الخاصة.وعلى الساحل، تبدو السمرا، أو كارادوران، كأنها صفحة أرمنية على زرقة المتوسط. القرية الواقعة قرب كسب احتفظت بآثار الحضور الأرمني، ووقفت كنائسها شاهدة على مجتمع جاء يحمل جراحه وذاكرته، ثم أعاد بناء حياته في المكان الجديد. هناك، لم تكن الأرمنية مجرد لغة، بل كانت جزءاً من ذاكرة المكان.وفي رأس العين والسفح، وصلت جماعات شيشانية من القوقاز، واستقرت في الجزيرة السورية، وحولت الأرض إلى قرى ومزارع. كان عليهم أن يبدؤوا من جديد، لكنهم لم يتركوا كل شيء خلفهم؛ بقيت أسماء العائلات وبعض العادات والذاكرة الشيشانية حاضرة، قبل أن تمتزج تدريجياً بالحياة السورية.أما الحميدية على ساحل طرطوس، فلها حكاية مختلفة تماماً. أهلها من مسلمي جزيرة كريت الذين وصلوا إلى الساحل السوري في أواخر العهد العثماني. حملوا معهم لغتهم اليونانية الكريتية، وظلت اللغة حاضرة في بيوت القرية إلى جانب العربية. ومن المفارقات الجميلة أن قرية سورية صغيرة أصبحت واحدة من الأماكن النادرة التي بقيت فيها ذاكرة اليونانية الكريتية حية.وفي الجنوب، تأتي جلين في ريف درعا لتضيف لوناً آخر إلى هذه اللوحة. فيها عائلات سورية ذات جذور أفريقية، تعود جذور وجودها إلى القرن التاسع عشر، وتتناقل الروايات أكثر من تفسير لوصول أجدادها إلى حوران. لكن الأهم أن هذه الذاكرة البعيدة لم تمنعهم من أن يصبحوا جزءاً أصيلاً من المكان؛ يأكلون المليحي الحوراني، ويزرعون أرض حوران، ويتحدثون بلهجتها، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعض البيوت بلمحات من الموروث الأفريقي.هكذا تبدو سورية حين نقترب منها بعيداً عن الخرائط السياسية:شركسي في مرج السلطان، وأرمني في السمرا، وشيشاني في رأس العين، وكريتي يتحدث اليونانية في الحميدية، وسوري بجذور أفريقية في جلين.أناس جاؤوا من أماكن بعيدة، بعضهم هرب من الحرب، وبعضهم جاء مع موجات التهجير وإعادة التوطين، وبعضهم حملته ظروف الإمبراطوريات القديمة من مكان إلى آخر. لكنهم جميعاً وجدوا في سورية شيئاً جعلهم يبنون البيت الثاني، ثم الثالث، ثم صار هذا البيت بالنسبة إلى أبنائهم البيت الأول والوحيد.ولعل أجمل ما في هذه القرى أن أهلها لا يعيشون اليوم كغرباء عن سورية.فالأصل قد يكون في القوقاز أو كريت أو أرمينيا أو أفريقيا، لكن الذاكرة التي صنعتها الأجيال اللاحقة أصبحت سورية بامتياز.سورية لم تكن يوماً لوناً واحداً؛ كانت، وما زالت، فسيفساء من الحكايات.مصدر المادة:صفحة محمد هنيدي التحرير:#سوريات_souriatسمر عزيز#مجلة ايليت فوتو ارت


