المهندس سعدالله جبري
الذي حوّل تلال دمشق الجرداء إلى مدينة نابضة بالحياة
تُعد قصة المهندس المعماري سعدالله جبري تجسيدًا لروح الإبداع والإصرار. لم تكن تلك القصة مجرد رحلة اغتراب، بل كانت مثالًا حيًا على النجاح في الوطن. لقد ترك جبري أثرًا عمرانيًا واضحًا، يُعتبر شاهداً على رؤيته وطموحاته، حيث أسس مشروع دمر السكني الذي غيّر وجه دمشق.
وُلد سعدالله جبري في دمشق عام 1940 لعائلة شامية عريقة. تخرج من كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق عام 1964، حيث كان يؤمن بأن العمارة ليست مجرد بناء، بل رسالة اجتماعية تهدف إلى تحسين حياة الناس. هذه القناعة كانت هي المحرك الأساسي لرؤيته العمرانية.
في بداية السبعينيات، تفاقمت أزمة السكن في دمشق، مما دفع جبري إلى طرح فكرة إنشاء تجمع سكني تعاوني يضم مختلف النقابات المهنية. كانت هذه الفكرة استجابة مباشرة للاحتياجات الاجتماعية، حيث أُدرجت فيها فئات متعددة مثل الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين. اختار جبري موقعًا مميزًا غرب العاصمة، بين التلال الجرداء، ليحوّل هذه المساحة غير المستثمرة إلى ضاحية حديثة تُعرف بمشروع دمر.
نجح المشروع في بناء نحو خمسة آلاف وحدة سكنية، مزودة بخدمات متكاملة. بذلك، تم تأمين السكن لعشرات الآلاف من السوريين، وأصبح مشروع دمر أحد أبرز نماذج الإسكان التعاوني في سوريا. على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهها المشروع، بما في ذلك قضايا التمويل والتنفيذ والإجراءات الإدارية، واصل جبري الدفاع عن فكرته حتى اكتمالها.
غادر جبري سوريا عام 1981 طلبا للنجاة من سطوة النظام البائد بعد نزاع مع رفعت الاسد لعدم قبول جبري الرشوى مقابل التعاقد مع جهات معينة توفر المستلزمات بتكاليف باهظة.
ما دفعه للهجرة والعمل في السعودية، ثم انتقل لاحقًا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضى سنواته الأخيرة بعيدًا عن وطنه. ومع ذلك، ظل مشروع دمر شاهدًا على إبداعه. ارتبط اسمه أيضًا بشراكة أسرية، إذ كانت زوجته المهندسة عايدة الطباع من المساهمات الرئيسيات في تصميم بعض تفاصيل المشروع، مما أضفى لمسة شخصية على هذا العمل الضخم.
رحل سعدالله جبري في عام 2022، لكن إرثه لا يقتصر على المباني فقط. مشروع دمر يمثل تجسيدًا للفكرة الطموحة وقدرتها على تغيير شكل مدينة كاملة. يرى زملاؤه أن ما ميّزه لم يكن التنفيذ فقط، بل كانت رؤيته وقدرته على تحويل حلم إنشاء مدينة عصرية إلى واقع ملموس يسكنه آلاف السوريين.
………………………..
المصدر :موسوعة رواد الاغتراب السوري حول العالم – عبدالله القطيني
تحرير #سوريات_Souriat ،#مجلة ايليت فوتو ارت.


