رجل وقف أمام فرقة الإعدام، ثم عاش. وبعد عشرين عاماً كتب رواية عن إنسان طيب طيبة كاملة، وترك العالم يحطمه، ليرى ماذا يحدث…
الرجل الذي وقف أمام فرقة الإعدام ثم كتب عن إنسان أجمل من العالم
«الأبله» لفيودور دوستويفسكي
بقلم الكاتب والروائي خالد حسين
● مقدمة: الدقائق الأخيرة
صباح الثاني والعشرين من ديسمبر 1849. ساحة سيميونوفسكي في سانت بطرسبرغ. ثلج، وبرد قارس.
يقف عدد من الشبان في ثياب الموت البيضاء. يُقرأ عليهم الحكم: الإعدام رمياً بالرصاص. وجريمتهم أنهم كانوا يجتمعون في حلقة بتراشيفسكي، يقرؤون كتباً ممنوعة ويتكلمون في الإصلاح. وكان أحدهم قد قرأ على الحاضرين رسالة الناقد بيلينسكي إلى غوغول، وهي رسالة كانت محظورة.
يُربط الثلاثة الأوائل إلى الأعمدة، وتُعصب أعينهم، ويرفع الجنود البنادق.
وكان دوستويفسكي في الصف الثاني، في السابعة والعشرين من عمره. ينتظر دوره، ويحسب ما بقي له من الدقائق.
ثم يصل ضابط يحمل عفو القيصر. ولم يكن عفواً مفاجئاً، بل مسرحية دبرها القيصر نفسه ليعلمهم الدرس. فخُفف الحكم إلى أربع سنوات من الأشغال الشاقة في سيبيريا، ثم الخدمة جندياً.
عاش دوستويفسكي. لكن هذه الدقائق لم تغادره. وبعد عشرين عاماً، وضعها على لسان بطل روايته، الأمير ميشكين، وهو يحكي عن رجل عرفه وقف أمام الموت ثم عُفي عنه، وكيف كان يقول لنفسه: لو عشت، لجعلت كل دقيقة قرناً، ولم أضيع منها شيئاً.
● «لا شيء أصعب من هذا»
في يناير 1868، كتب دوستويفسكي إلى ابنة أخته رسالة يقول فيها إن الفكرة الرئيسية لروايته الجديدة هي تصوير «إنسان جميل جمالاً إيجابياً»، وإنه لا شيء في العالم أصعب من هذا.
وفي الرسالة نفسها يقول إن في العالم شخصاً واحداً جميلاً جمالاً إيجابياً، هو المسيح. ويذكر من الأدب دون كيخوته، ويقول إنه أكمل هذه الشخصيات، لكنه جميل لأنه مضحك في الوقت نفسه.
فلماذا هي أصعب مهمة؟ لأن الشخصية الخيرة تماماً تبدو في الرواية باهتة، أو ساذجة، أو غير معقولة. والقارئ يصدق الشرير قبل أن يصدق القديس.
وحل دوستويفسكي هذه المعضلة بأن جعل الطيبة نفسها هي المشكلة. فلم يسأل: كيف يكون الإنسان طيباً؟ بل سأل: ماذا يفعل العالم بالإنسان الطيب؟
● أمير بلا شيء
الأمير ليف نيكولاييفيتش ميشكين، في نحو السادسة والعشرين، يعود إلى روسيا من سويسرا، حيث قضى سنوات في مصحة يعالج من الصرع، الذي جعله في طفولته شبه أبله.
يركب القطار إلى سانت بطرسبرغ في ثياب لا تناسب الشتاء الروسي، وفي يده صرة صغيرة هي كل ما يملك. وفي العربة نفسها يجلس شاب أسود الشعر، متقد العينين، اسمه بارفيون روغوجين، ورث لتوه ثروة ضخمة، وهو يتكلم بلا توقف عن امرأة يعشقها حتى الجنون: ناستاسيا فيليبوفنا. ويجلس معهما موظف صغير ثرثار متملق، اسمه ليبيديف.
ومن هذه العربة تنطلق الرواية كلها.
يذهب ميشكين إلى بيت الجنرال إيبانتشين، لأن زوجة الجنرال من أسرته البعيدة. وهناك يرى صورة ناستاسيا فيليبوفنا.
يطيل النظر إليها، ثم يقول إن هذا وجه فيه كبرياء شديد، وفيه معاناة كثيرة.
لم يقل: ما أجملها. قال: ما أكثر ما تعاني. وهنا يظهر ميشكين كله: رجل يرى الألم قبل الجمال.
● ناستاسيا: المرأة التي بيعت
قصة ناستاسيا فيليبوفنا من أقسى ما في الرواية. يتيمة صغيرة، أخذها إقطاعي ثري اسمه توتسكي، ليربيها كما قال. فلما كبرت جعلها عشيقته، وأسكنها بيتاً في الريف.
ثم أراد أن يتزوج من إحدى بنات الجنرال إيبانتشين، فاحتاج أن يتخلص منها. فدبر لها زوجاً، هو غانيا، سكرتير الجنرال، وعرض عليها خمسة وسبعين ألف روبل مهراً.
ناستاسيا تعرف أنها تباع. وتعرف أن غانيا يقبلها من أجل المال.
وفي ليلة عيد ميلادها، أمام الضيوف جميعاً، ينفجر كل شيء. يدخل روغوجين مع عصابة من السكارى، ويضع على الطاولة مائة ألف روبل ملفوفة في جريدة، ثمناً لها.
ثم يفعل ميشكين ما لم يتوقعه أحد: يطلب يدها. ويقول لها إنه يراها طاهرة، وإنها لم تفعل شيئاً، وإنه يتشرف بها.
تكاد تقبل. ثم تمسك برزمة المائة ألف وترميها في المدفأة، وتقول لغانيا: أخرجها بيديك من النار وهي لك.
ويقف غانيا يرتجف، يرى المال يحترق، ولا يمد يده، ثم يغمى عليه. فتسحب ناستاسيا المال بملقط النار، وتضعه بجانبه، ثم تخرج مع روغوجين.
لماذا رفضت ميشكين؟ لأنها تعتقد أنها ستلوثه. فهي لا تحتمل الخلاص، لأنها لا تصدق أنها تستحقه.
● روغوجين: الحب الذي يقتل
روغوجين يحب ناستاسيا حباً حقيقياً. لكنه حب يريد أن يملك. يريدها له وحده، ولا يحتمل أن تنظر إلى غيره.
وهي تعرف ذلك. وتقول إنه سيقتلها. ومع ذلك تعود إليه مرة بعد مرة.
وبين روغوجين وميشكين علاقة غريبة. يتبادلان الصلبان، ويصبحان أخوين. ثم يرفع روغوجين السكين على ميشكين في مدخل فندق مظلم، فتأتي ميشكين نوبة الصرع في تلك اللحظة، فيسقط، وتنقذه النوبة.
فروغوجين ليس شريراً بسيطاً. إنه رجل يتألم، ويحب، ويغار، وفيه ظلمة لا يقدر عليها. ولهذا هو مخيف: لأنه يشبه أي إنسان يترك الامتلاك يقود قلبه.
● أغلايا: الحب المشروط
أغلايا، أصغر بنات الجنرال وأجملهن، تحب ميشكين. تسخر منه، وتعذبه، وتحبه.
لكنها تريد أن تكون هي المختارة الوحيدة. وميشكين لا يستطيع أن يختار، لأنه يرحم ناستاسيا، ويخاف عليها، ويرى أنها ستهلك إن تركها.
وفي مشهد من أشد مشاهد الأدب توتراً، تلتقي المرأتان في بيت ناستاسيا، وبينهما ميشكين. تتبادلان الإهانات، ثم تقول ناستاسيا له: اختر. فيلتفت إليها، ويقول لأغلايا إن ناستاسيا امرأة تعيسة.
فتخرج أغلايا راكضة. ويفقد ميشكين كل شيء في لحظة.
● إيبوليت: الذي يموت ويصرخ
إيبوليت شاب في السابعة عشرة، مسلول، يعرف أنه سيموت خلال أسابيع. ويكتب «توضيحاً ضرورياً» يقرؤه أمام الناس في حفل، يصرخ فيه ضد الطبيعة التي تقتل بلا معنى، ويعلن أنه سيقتل نفسه عند شروق الشمس.
ثم يرفع المسدس إلى رأسه، ويضغط الزناد. فلا تنطلق الرصاصة. لقد نسي أن يضع الكبسولة. فيضحك الحاضرون، ويتحول موته المأساوي إلى مسخرة.
وفي موضع آخر، يسأل إيبوليت ميشكين بمرارة: كيف أموت ميتة فاضلة؟ فيرد ميشكين بصوت خافت: «امضِ عنا، واغفر لنا سعادتنا».
فهو لا يجادله، ولا يعظه. بل يعترف له بأن الأحياء مذنبون أمام من يموت، ويطلب منه الغفران.
● لوحة هانز هولباين الأصغر. المفتاح الذي يُفتح به كل شيء
سنة 1867، وقف دوستويفسكي في متحف بازل أمام لوحة لهانز هولباين الأصغر، رسمها نحو سنة 1521، ★يمكنك ان تبحث عنها فى جوجل او ويكيبيديا حيث انني انا خالد حســــــين لا استطيع شرحها هنا★
وكتبت زوجته آنا في مذكراتها أنه وقف أمامها طويلاً، حتى خافت أن تأتيه نوبة صرع.
وفي الرواية، نسخة من هذه اللوحة معلقة في بيت روغوجين المظلم. ويقول ميشكين حين يراها إي إنساناً قد يفقد إيمانه من هذه اللوحة. فيقول روغوجين إنه يفقده فعلاً.
● «الجمال سينقذ العالم»
وأشهر جملة في الرواية لا يقولها ميشكين أمامنا. بل يقولها عنه إيبوليت ساخراً: أصحيح يا أمير أنك قلت مرة إن الجمال سينقذ العالم؟
ولا يجيب ميشكين.
فالجملة تبقى معلقة: جمال ناستاسيا لم ينقذها، وطيبة ميشكين لم تنقذه. فأي جمال يقصد؟
● النهاية
يوم الزفاف. ناستاسيا في ثوب العرس، وميشكين ينتظرها في الكنيسة.
وعلى باب الكنيسة، ترى روغوجين في الزحام. فتصرخ: أنقذني. وتهرب معه.
وفي الليل، يقتلها روغوجين بسكين في بيته. ويغطيها بملاءة.
ثم يأتي ميشكين، فيأخذه روغوجين إلى الغرفة. ويمضيان الليل كله بجانب الجثة، مستلقيين جنباً إلى جنب، القاتل والقديس. وروغوجين يهذي، وميشكين يمسح على رأسه ووجهه، كما تمسح الأم على طفلها.
وفي الصباح، يجدونهما هكذا. روغوجين يحاكم ويحكم عليه بخمسة عشر عاماً في سيبيريا. وميشكين يعاد إلى المصحة في سويسرا، وقد عاد إليه العته، لا يعرف أحداً.
وأغلايا تتزوج نبيلاً بولندياً تبين أنه محتال، وتنقطع عن أهلها.
ولم ينج أحد.
● المؤلف: دوستويفسكي
ولد فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي في موسكو في 11 نوفمبر 1821. وكان أبوه طبيباً في مستشفى للفقراء، رجلاً صارماً سريع الغضب. وماتت أمه بالسل وهو في الخامسة عشرة. ثم مات أبوه بعد عامين في ضيعته، ويقال إن فلاحيه قتلوه، وإن كان السبب الرسمي سكتة.
درس الهندسة العسكرية، ثم استقال ليتفرغ للأدب. ونشر روايته الأولى «المساكين» سنة 1846، وهو في الرابعة والعشرين. فقال له الناقد الكبير بيلينسكي، كما يحكي هو: هل تفهم أنت ماذا كتبت؟
ثم جاء الاعتقال سنة 1849، وفرقة الإعدام، وأربع سنوات في سجن أومسك مع القتلة واللصوص، ثم سنوات جندياً في سيبيريا. ومن هذه التجربة كتب «ذكريات من بيت الموتى».
وكان الصرع يلاحقه منذ شبابه. وفي ستينيات القرن، في رحلاته إلى أوروبا، تعلق بالقمار، فكان يخسر كل ما معه على طاولات الروليت.
وفي سنة 1867 هرب مع زوجته الثانية الشابة آنا غريغوريفنا من الدائنين إلى أوروبا. وكتب «الأبله» متنقلاً بين جنيف وفيفي وميلانو وفلورنسا، في فقر شديد، يرهن ثيابه وخاتم زوجته، وتأتيه نوبات الصرع. وفي جنيف ولدت ابنته الأولى سونيا، فماتت بعد ثلاثة أشهر. ونشرت الرواية مسلسلة بين سنتي 1868 و1869.
ثم كتب بعدها «الشياطين» و«الإخوة كارامازوف»، ومات في سانت بطرسبرغ سنة 1881، وسار في جنازته عشرات الآلاف.
● لماذا كتب دوستويفسكي «الأبله» بهذه الطريقة؟
في يناير 1868، كتب دوستويفسكي إلى ابنة أخته صوفيا إيفانوفا رسالة يقول فيها إن الفكرة الرئيسية للرواية هي تصوير إنسان جميل جمالاً إيجابياً، وإنه لا شيء في العالم أصعب من هذا. وذكر في الرسالة نفسها أن أكمل الصور الجميلة في الأدب المسيحي هي دون كيخوته، وأنه جميل لأنه مضحك في الوقت نفسه. ومن هنا جاء ميشكين: قديس يضحك منه الناس.
لكن لماذا جاءت الرواية بهذا الشكل المضطرب، الذي يطول فيه الحوار، وتتشعب فيه الحكايات، ويضيع فيه الخط أحياناً؟
المفتاح الأول هو المال. فقد كان دوستويفسكي مديناً لمجلة «الرسول الروسي» بسلفة، وكان عليه أن يرسل الفصول شهراً بعد شهر. وكتب خطط الرواية مرات كثيرة، ثم مزق ما كتب في ديسمبر 1867، وبدأ من جديد، وكتب الجزء الأول في أسابيع قليلة. ونشرت الفصول الأولى وهو لا يعرف كيف ستنتهي. فالرواية نمت أمام القراء كما ينمو كائن حي، بلا خريطة كاملة.
والمفتاح الثاني هو الجسد. فدوستويفسكي يصف نوبات الصرع عند ميشكين، ولحظة النور التي تسبقها، من داخله هو. ويصف الرجل الذي يساق إلى الإعدام، والدقائق الخمس الأخيرة، لأنه وقف هو نفسه أمام فرقة الإعدام سنة 1849. فالبطل يحمل جسد كاتبه وذاكرته.
والمفتاح الثالث هو الغربة. فقد كتب الرواية بعيداً عن روسيا، يقرأ صحفها وأخبار جرائمها من جنيف وفلورنسا. ولهذا تمتلئ الرواية بالقضايا والفضائح والجرائم، كأن الكاتب يرى وطنه من خلال صفحة الحوادث. ورأى في بازل لوحة هولباين، فوقف أمامها طويلاً، وتحكي زوجته أنه بدا مضطرباً. فدخلت اللوحة الرواية، ودخل معها السؤال: هل يصمد الإيمان أمام المعتقد والثوابت؟
والمفتاح الرابع هو الحزن. ففي أثناء الكتابة ماتت ابنته الأولى سونيا. ومن يقرأ الأجزاء الأخيرة يرى كيف أظلمت الرواية، وكيف انتهت بالخراب لا بالخلاص. فالرجل الذي أراد أن يرسم الجمال الذي ينقذ العالم، انتهى إلى أن يرسم الجمال وهو يُهزم.
● السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي
في سنة 1861، ألغى القيصر ألكسندر الثاني نظام القنانة، فأعتق ملايين الفلاحين. لكنهم خرجوا بلا أرض تكفيهم، مثقلين بالديون. وفقد كثير من النبلاء أساس ثروتهم. ودخلت روسيا عصراً جديداً من المال والمصارف والسكك الحديدية والمضاربة.
ولهذا يمتلئ عالم «الأبله» بالمال: المائة ألف روبل في المدفأة، والخمسة والسبعون ألفاً مهر ناستاسيا، والميراث الذي يهبط على روغوجين، والميراث الذي يهبط على ميشكين نفسه، والمحتالون الذين يأتون يطالبونه بنصيبه. ففي هذه الرواية، كل شيء يباع: المرأة، والشرف، والحب.
وفي الوقت نفسه، كان الشباب الروسي المتعلم ينجذب إلى العدمية، التي صورها تورغينيف في «الآباء والبنون» سنة 1862: إنكار كل سلطة وكل إيمان، والثقة بالعلم والمنفعة وحدهما. وكان دوستويفسكي، بعد سيبيريا، قد عاد إلى الإيمان الأرثوذكسي، ورأى في العدمية خطراً على روح روسيا. وفي الرواية شبان عدميون يسخرون من ميشكين، ويطالبونه بالمال باسم العدالة.
وكان أدب ذلك العصر في روسيا يبحث عن «الإنسان الجديد». والعدميون رسموه عالماً عقلانياً لا يؤمن بشيء. ودوستويفسكي رسمه بالعكس: رجلاً يؤمن بكل شيء، ويرحم كل أحد.
● ما بين السطور
خلف هذه الرواية أشياء لم يقلها دوستويفسكي صراحة.
أولها أن الرواية سيرة مقنعة. فميشكين يحمل صرع دوستويفسكي، ودقائق إعدامه، وإحساسه باللحظة التي تسبق النوبة، حين يرى العالم كله في نور. فدوستويفسكي لم يخترع ميشكين، بل أخرج من نفسه أجمل ما فيها، ووضعه في رجل آخر.
وثانيها أن الطيبة وحدها لا تكفي. فميشكين لا يؤذي أحداً، لكنه أيضاً لا ينقذ أحداً. ورحمته بالجميع جعلته عاجزاً عن الاختيار، فخسر الجميع. وكأن دوستويفسكي يسأل: هل الحب الذي لا يختار حب حقاً؟
وثالثها أن المال هو اللغة الوحيدة. فكل علاقة في الرواية تمر بالمال. ومشهد المدفأة يكشف المجتمع كله: الجميع يحدق في النار، لا في المرأة التي تحترق.
ورابعها أن الشفقة قد تكون قيداً. فميشكين لا يحب ناستاسيا كما يحب الرجل المرأة، بل يشفق عليها. وهي تعرف ذلك، فيعذبها. فالشفقة التي لا ترى في الآخر نداً، قد تجرحه أكثر مما تداويه.
وخامسها أن القاتل والقديس أخوان. فالمشهد الأخير، حيث يجلس ميشكين وروغوجين بجانب الجثة، يجمع النقيضين جنباً إلى جنب. وكأن دوستويفسكي يقول: الظلمة والنور في الإنسان قريبان، وقد يجلسان معاً في ليلة واحدة.
● البؤرة: المائة ألف في النار
إذا أردت أن تحمل الرواية كلها في صورة واحدة، فهي صورة المائة ألف روبل وهي تحترق في المدفأة.
ناستاسيا ترمي ثمنها في النار. وغانيا يرتجف أمامها، يريد المال ولا يجرؤ. والضيوف يصرخون، لا لأن امرأة تتعذب، بل لأن المال يحترق. وروغوجين يضحك، لأنه اشتراها. وميشكين وحده ينظر إليها هي، لا إلى النار.
ففي هذا المشهد، كل شخصية تكشف ما تحب. والسؤال الذي تتركه الرواية لك: لو كنت في تلك الغرفة، إلى أين كنت ستنظر؟ وهل الإنسان الذي يختار الخير في عالم لا يكافئه أشجع الناس، أم أحمقهم؟
● كلمة أخيرة
«الأبله» ليست رواية سهلة. فهي طويلة، ومزدحمة بالشخصيات، وفيها فصول تتوه فيها الحكاية. لكنها من أجرأ ما كُتب في الأدب: محاولة أن يُرسم إنسان طيب تماماً، دون أن يكذب الكاتب على القارئ في مصيره.
ودوستويفسكي لم يكذب. فقد ترك ميشكين يخسر كل شيء. لكنه تركه أيضاً الوحيد الذي لم يبع شيئاً.
وإلى لقاء مع روايات وكتب أخرى قريباً إن شاء الله.
الكاتب والروائي خالد حسين
#الكاتب_الروائي_خالد_حسين
#الأبله_دوستويفسكي
#Novelist_Khaled_Hussein
#The_Idiot_Fyodor_Dostoevsky
رجل وقف أمام فرقة الإعدام، ثم عاش. وبعد عشرين عاماً كتب رواية عن إنسان طيب طيبة كاملة، وترك العالم يحطمه، ليرى ماذا يحدث…
#ادب فكر فن#مجلة ايليت فوتو ارت


