د. عصام عسيري” كيف تُصنع القيمة الفنية اليوم؟”

فولار العربي: كيف تُصنع القيمة الفنية اليوم؟

د. عصام عسيري

اعتدنا أن تُروى الحكاية في تاريخ الفن الحديث من زاوية الفنان وحده، حيث تُنسب القيمة إلى العبقرية الفردية، وكأن العمل الفني يولد مكتملًا خارج شروط السياق والسوق. غير أن هذه السردية تغفل دورًا حاسمًا ألا وهو دور من يكتشف، ويُراكم، ويُعيد تقديم العمل الفني ضمن منظومة تمنحه قيمته؟.
هنا برز اسم Ambroise Vollard امبرواز فولار لا بوصفه تاجرًا فحسب، بل كأحد أهم مهندسي القيمة في الفن الحديث.

فولار لم يكن يرسم، لكنه كان يرى ما لا يُرى بعد؛ راهن مبكرًا على فنانين مثل سيزان، رينوار، بيكاسو وماتيس، حين كانوا خارج دائرة الاعتراف، فأسهم في نقلهم من الهامش إلى المركز.

تلك التجربة لا تقف عند حدود التاريخ، بل تفتح سؤالًا ملحًا في السياق السعودي المعاصر، كيف تُصنع القيمة الفنية اليوم؟

يشهد المشهد الفني في المملكة العربية السعودية وعالمنا العربي نموًا متسارعًا، دفعات أجيالٌ من الفنانين المبدعين مع كل دفعة خريجي معاهد وكليات الفنون ومن خارجها سموياً، مدفوعًا هذا بحراك ثقافي مؤسسي تقوده حالياً وزارات الثقافة وجمعيات التشكيليين، إضافة إلى ازدياد عدد المعارض والمبادرات الخاصة. غير أن هذا التوسع، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة تشكّل سوق ناضج قادر على إنتاج القيمة بعمق واستدامة.

تكمن الإشكالية في أن جزءًا كبيرًا من السوق لا يزال يتحرك وفق منطق العرض والطلب اللحظي، حيث يُكافأ الاسم المعروف حتى لو كان ينتج أعمالاً سيئة، بينما تُترك المواهب الصاعدة لرهانات فردية غير منظمة وهي تبدع أعمالاً مبهرة. وهنا تحديدًا يظهر الفراغ الذي كان يشغله فولار، عين ثاقبة استشرافية قادرة على قراءة التحولات الجمالية قبل أن تتحول إلى تيار سائد.

إن بناء سوق فني مؤثر لا يقوم على البيع السريع، بل على التراكم الواعي. فولار لم يكن مجرد وسيط، بل كان جامعًا استراتيجيًا، يدرك أن امتلاك مجموعة متماسكة من الأعمال ستمنحه سلطة مزدوجة اقتصادية ورمزية.

في السياق العربي، لا تزال هذه الفكرة في بداياتها، حيث يغلب على الممارسة طابع التداول، لا البناء طويل المدى.

كما أن العلاقة بين الفنان والسوق تحتاج إلى إعادة صياغة. فبين مثالية الدعم غير المشروط، وتجارية الاستهلاك السريع، يغيب نموذج الشراكة الذي يطوّر الفنان بوصفه مشروعًا مستمرًا، لا منتجًا مؤقتًا. القيمة الفنية لا تتشكل من كثرة العرض، بل من جودة التموقع، ومن القدرة على بناء مسار متماسك للفنان داخل وخارج السوق المحلي.

إضافة إلى ذلك، لم يعد المعرض وحده كافيًا. التجربة المعاصرة تتطلب منظومة متكاملة تشمل النشر، والتوثيق، وإنتاج الكتب الفنية، وبناء السرديات البصرية التي تمنح العمل عمقه الثقافي. هنا يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورًا حيويًا، مكمّلًا للدور المؤسسي، في تحويل الفن من منتج بصري إلى مشروع ثقافي متكامل.

على المستوى العالمي، لم يعد الانخراط في السوق خيارًا، بل ضرورة. غير أن التحدي لا يكمن في الحضور، بل في طبيعة هذا الحضور، هل يُقدَّم الفنان السعودي والعربي عمومًا بوصفه صوتًا محليًا فحسب، أم كجزء من خطاب بصري عالمي قادر على المنافسة والتأثير؟

إن استحضار تجربة فولار في هذا السياق لا يعني استنساخها، بل فهم منطقها. فالقيمة الفنية لا تُولد من العمل وحده، بل من الشبكة التي تحيط به، من يكتشفه، من يقدّمه، من يراهن عليه، ومن يكتب قصته، من يُنوّه عن إبداعاته الجمالية ويحللها وينقدها.

في النهاية، يمكن القول إن التحدي الحقيقي في السوق العربي اليوم لا يتمثل في إنتاج الفن، بل في إنتاج قيمته. وبين وفرة المواهب وتنامي الفرص، تبقى الحاجة قائمة إلى من يمتلك الجرأة على أن يرى مبكرًا، ويستثمر بوعي في الإنسان المبدع دون التأثر بآراء الآخرين، ويصوغ مستقبلًا لا ينتظر اعتراف المنافسين.

فولار لم يصنع اللوحات، لكنه صنع اللحظة التي أصبحت فيها هذه اللوحات ذات قيمة. والسؤال الذي يواجهنا اليوم، من سيصنع هذه اللحظة في كل مدن وطننا العربي الزاخر بالفنانين؟ لمتى ننتظر عيون ثاقبة تكتشف القيم الجمالية ومستثمرون مبدعون؟

حدثونا مشكورين عن قصص النجاح في الاقتصاد الثقافي الإبداعي؟

#فينيقيا التشكيلية #مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم