العصفور الدُّوريّ هو أشهر عصفور في العديد من الدول العربية والغربية ، هل تعرفه؟ شفته قبل كده؟ بالتأكيد شفته وربما صحيت على صوته مرة أو اتنين، هذا الكائن الصغير الذي لا يتجاوز وزنه أربعين غراما في أحسن الأحوال، يبدو بسيطا في مظهره، غير أنه يخفي وراء هذا الجسد الهش قصة نجاح استثنائية!.الدوري من الطيور التي لا تقيم وزنا لمبادئ الهندسة الكلاسيكية في اختيار الموقع، بل يتبع مبدأ: “أي مكان دافئ وآمن يصلح لبناء بيت”، ومن ثم ستجد أن مواقعه المفضلة متنوعة جدا، بداية من تجاويف المباني وجذوع الأشجار المجوفة، وضفاف الأنهار والمرتفعات الرملية، والأعشاش المهجورة من طيور أخرى، وأعمدة الإنارة ولافتات الإعلانات، خاصة في المدن، حيث يبحث عن الدفء خلال الليالي الباردة. .ينجح الدوري في التكيف حيثما وجد البشر، ويتجنب الغابات الكثيفة والصحاري النائية، كأنه لا يأنس إلا بظل العمران وصوت الحياة البشرية..يستخدم هذا الطائر القش، أو الأعشاب الجافة، أو الأوراق، أو الريش، وحتى خيوط القماش أو البلاستيك الصغيرة التي يجدها في بيئة المدن، بل ويمكن في أعشاشه أن تجد “أعقاب سجائر”، حيث ربما وجد بشكل ما أنها تفيده في طرد الطفيليات. .في هذا السياق توصل العلماء إلى ملاحظة لافتة حقا ومدهشة، وهي أن الطيور تمتلك ما يشبه “الفهرس الذهني” لخصائص المواد من حيث الصلابة والطول والملمس، تستخدمه لتحديد الأنسب لبناء عش متين، بمعنى أنهم لا يحددون هدفا “دقيقا” (هذه الشجرة أو تلك المادة بالتحديد)، بل يختارون مواد البناء على حسب البيئة المتاحة، وبناء على خصائص يمكن أن توصف بأنها “دقيقة” من ناحية فيزيائية وهندسية، بشكل يشبه أن تفاضل المهندسة أو البنّاء بين أنواع الأخشاب أو الحجارة أو المعادن، وفق معايير القوة والمرونة والقدرة على الاحتمال. .هذا يعني أن الطائر، رغم بساطة دماغه وصغر حجمه، يمارس نوعا من “التقدير”، وهو يجرب ويختبر ويعيد الاختيار، وكأنه يطبق “معايير جودة” داخلية..غير أن اللافت هنا هو سؤال آخر: هل يمكن أن نصف هذا الفعل بأنه غريزة صرفه، أم أن فيه نواة من تفكير واع؟.إنه نوع من التفكير العملي الذي يقرأ ما في البيئة ويحوله إلى أداة، وفي هذا السياق، يبدو أن الفاصل التقليدي بين الغريزة والعقل ليس جدارا صلبا كما اعتدنا، بل هو طيف واسع تتوزع عليه الكائنات.-مقتطفات من كتاب “العرتيمة: العلم المدهش في مملكة الحيوان”، وفيه حاولت قدر الامكان أضمن كائنات نعرفها وتعرفنا وتعيش حولنا، فيصبح تأملك لها في المرة القادمة بعد الكتابة مختلفا.
#من كتاب العرتيمة#العلم المدهش في مملكة الحيوان #مجلة ايليت فوتو ارت.


